الموجز اليوم
الموجز اليوم
حكيم.. يلتقى جمهوره فى الساحل الشمالى بحفل غنائي كبير 20 أغسطس يسرا ودرة..وكوكبة من النجوم فى ”الست لما ” ويعرض 19 أغسطس بدور العرض ضمن موسم صيف 2026 ثلاثة عروض للفيلم المصري ” خوفو” فى المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو عزيز مرقة وحودة ..لأول مرة معا فىىكليب ” دقة” مصطفى صلاح يكتب: منال الدفتار..المنصب لا يصنع صاحبه مهرجان ”الجونة السينمائي ”يعلن عن شراكة مع مهرجان” زيوريخ السينمائي” رئيس مركز ومدينة أبوكبير يتفقد الحملة الميكانيكية ويتابع جاهزية المعدات والسيارات كارولين عزمي..تحسم جدل أول أجر لها فى التمثيل برعاية نقابة الفنانين والإعلاميين..معرض فنى وتكريمات لرموز الفن والترفيه والسياحة وكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب يتقدم بطلب إحاطة لرئيس الوزارء ووزيرى النقل والتنمية ومحافظ سوهاج بشأن تدهور حالة الطرق بالمحافظة هند عبد الحليم..تطرح كليب” من أنا؟” تجربة غنائية جديدة باللغة العربية الفصحى طرح فيلم ” الست لما” فى دور العرض 19 أغسطس الجارى

مصطفى صلاح يكتب: منال الدفتار..المنصب لا يصنع صاحبه

هناك خطأ شائع في فهم المناصب، وهو أن الناس تتصور أن المنصب هو الذي يمنح الإنسان قيمته، وكأن الكرسي حين يجلس عليه أحد يسكب عليه شيئًا من الهيبة والكفاءة والقدرة، ثم يخرجه إلى الناس شخصًا آخر غير الذي دخل. يحدث ذلك كثيرًا، خصوصًا في المؤسسات التي ترتبط بالجمهور، فيتحول اللقب الوظيفي عند البعض إلى شهادة نهائية بالكفاءة، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: المنصب لا يصنع الإنسان، وإنما يكشفه، والكرسي لا يضيف إلى صاحبه شيئًا إذا لم يكن لديه ما يضيفه إلى الكرسي.
وهذا الكلام ينطبق على الإعلام أكثر من غيره، لأن الإعلام مهنة تقوم في جزء كبير منها على الظهور، لكن الظهور لا يعني بالضرورة الحضور، والصورة لا تعني دائمًا القيمة، والقدرة على الحديث أمام الكاميرا لا تعني امتلاك القدرة على إدارة مؤسسة أو تحمل مسؤولية.. قد يرى الناس شخصًا كل يوم على الشاشة، لكنهم لا يرون ما وراء الشاشة؛ لا يعرفون كيف يتعامل مع زملائه، ولا كيف يستقبل النقد، ولا كيف يتصرف عندما تختلف معه الآراء، ولا هل ينظر إلى المسؤولية باعتبارها سلطة تمنحه الحق في الأمر والنهي، أم باعتبارها أمانة تفرض عليه أن يسمع ويتأنى ويتحمل نتيجة قراره،وهنا يكون الفارق بين شخص يشغل منصبًا وشخص يستحق هذا المنصب.

ومنال الدفتار، رئيس القناة الأولى بالتليفزيون المصري، واحدة من الأسماء التي تستحق أن تُقرأ من هذه الزاوية، لأن الحديث عنها لا ينبغي أن يتوقف عند حدود اللقب الوظيفي، وإنما يتصل بطبيعة المهمة التي تحملها، وبالمؤسسة التي أصبحت مسؤولة عنها، وبالمرحلة التي يعيشها الإعلام المصري كله، فالقناة الأولى ليست مجرد قناة تلفزيونية أخرى في خريطة مزدحمة بالشاشات، وإنما مؤسسة لها تاريخ وذاكرة ومكانة في وجدان أجيال كاملة من المصريين.
كانت القناة الأولى في وقت من الأوقات نافذة المصريين الأساسية على العالم، وكانت الأسرة تجتمع أمامها، وكان البرنامج موعدًا لا يحتاج إلى تذكير، وكان ظهور المذيع أو الفنان أو الكاتب على الشاشة يحمل قيمة خاصة، لأن الخيارات كانت محدودة، ولأن التليفزيون كان أكثر من وسيلة للترفيه؛ كان جزءًا من تكوين الوعي والثقافة والذوق العام، ثم تغيرت الحياة، واتسعت الشاشات، وجاءت القنوات الخاصة والمنصات الرقمية، وأصبح الهاتف المحمول نفسه عالمًا مفتوحًا يحمل الأخبار والصور والفيديوهات والآراء في اللحظة نفسها.
لم يعد المشاهد ينتظر أحدًا، ولم تعد الشاشة تستطيع أن تطلب منه أن يشاهدها لمجرد أنها كانت موجودة قبل غيرها.. التاريخ يمنح المؤسسة احترامًا، لكنه لا يمنحها جمهورًا إلى الأبد، وهذه حقيقة لا ينبغي أن تخيف القناة الأولى، بل يجب أن تدفعها إلى التفكير في مستقبلها بطريقة أكثر جرأة وواقعية.
فالقناة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا تحتاج إلى أن تعود إلى الماضي، لأن الماضي لا يعود، وإنما تحتاج إلى أن تعرف لماذا أحبها الناس في الماضي، وما الذي يمكن أن تقدمه لهم اليوم. المطلوب ليس استنساخ شاشات أخرى، ولا تقليد ما ينجح عند الآخرين، وإنما اكتشاف الشخصية الخاصة بالقناة الأولى وإعادة تقديمها بصورة تناسب المشاهد الجديد دون أن تفقد جذورها.
التطوير الحقيقي لا يبدأ من تغيير الديكورات أو الألوان أو أسماء البرامج، وإنما يبدأ من سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه: ماذا نريد أن نقول للناس؟ ثم يأتي السؤال الأصعب: لماذا سيصدقوننا؟
الإعلام في جوهره علاقة ثقة، وهذه الثقة لا تُشترى بالنجوم ولا بكثرة ساعات البث ولا بارتفاع الصوت. قد يجذب البرنامج المشاهد مرة، وقد تجذبه شخصية معروفة فترة، لكن الذي يجعله يعود هو إحساسه بأن الشاشة تحترم عقله ووقته، وأنها تقدم له شيئًا حقيقيًا لا يستطيع أن يجده بالطريقة نفسها في مكان آخر.
وهنا تظهر قيمة المهنية.
المهنية ليست كلمة تصلح للخطابات، وإنما طريقة تفكير وسلوك يومي.. أن يعرف الإعلامي الفرق بين الخبر والرأي، وأن يعرف المسؤول الفرق بين الإدارة والسيطرة، وأن يدرك الجميع أن المشاهد ليس رقمًا في تقرير، وإنما إنسان له عقل وذاكرة وقدرة على المقارنة والحكم.
والقائد الحقيقي لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أنه قائد.. القيادة تظهر عندما تختلف الآراء، وعندما تتعقد الأمور، وعندما يصبح القرار ضروريًا تظهر في القدرة على الاستماع، وفي احترام أصحاب الخبرة، وفي التعامل مع الاختلاف دون تحويله إلى خصومة، وفي امتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار ثم تحمل مسؤوليته.
وهذه الصفات تحتاج إليها المؤسسات الكبيرة أكثر من أي شيء آخر، لأن المؤسسة العريقة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر كلما تغير شخص في موقع المسؤولية. لديها تاريخ، ولديها خبرات، ولديها أخطاء ونجاحات، وكل ذلك يحتاج إلى قيادة تعرف كيف تستفيد من الماضي دون أن تعيش فيه.
ومن هنا تأتي أهمية استمرار منال الدفتار في موقعها بعد مد فترة خدمتها، فاستمرار المسؤول في مؤسسة بهذا الحجم يمكن أن يمنحه فرصة لاستكمال ما بدأه، ويمنح المؤسسة فرصة للاستفادة من الخبرة والتراكم بدلًا من أن تبدأ كل مرة من نقطة الصفر. لكن الاستمرار وحده لا يكفي، لأن المنصب لا يصبح نجاحًا إلا بالنتيجة، والنتيجة ليست ما تقوله الإدارة عن نفسها، وإنما ما يراه الناس.
إذا أصبحت القناة أكثر قدرة على الوصول إلى جمهورها، وأكثر احترامًا لعقله، وأكثر قدرة على المنافسة، فهذه نتيجة، وإذا استطاعت أن تجمع بين تاريخها وروح العصر، فهذه نتيجة. وإذا شعر العاملون فيها أنهم جزء من مشروع واضح، وأن خبراتهم محل تقدير، فهذه نتيجة أخرى.
أما الألقاب فلا تكفي، فاللقب يكتب على الورق، أما السيرة فتكتبها الأيام.
ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي أمام كل مسؤول في الإعلام المصري، وليس أمام منال الدفتار وحدها. هناك أسماء كثيرة تستطيع أن تصل إلى المناصب، لكن القليل منها يستطيع أن يترك أثرًا بعد مغادرتها، وقد يبقى إنسان في موقعه سنوات طويلة ولا يترك وراءه إلا مجموعة من القرارات والأوراق والصور، بينما يستطيع آخر أن يقضي فترة أقصر ويترك تغييرًا يشعر به الناس.
لهذا فإن القيمة ليست في طول البقاء، وإنما في حجم الأثر.
ومنال الدفتار أمام فرصة لأن تجعل وجودها في القناة الأولى مرتبطًا بمرحلة من التطوير الحقيقي، وأن تجعل اسمها جزءًا من تجربة تستطيع المؤسسة أن تتذكرها بعد سنوات باعتبارها مرحلة أضافت إليها، لا مجرد فترة مرت عليها، فالقناة الأولى أكبر من رئيسها، وأكبر من مذيعيها، وأكبر من برامجها الحالية.. هي جزء من تاريخ الإعلام المصري، وكل من يتولى مسؤوليتها لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يبدأ من تاريخ كامل، وعليه أن يضيف إليه صفحة جديدة.
وهنا يصبح المنصب امتحانًا للقدرة والشخصية والنزاهة والمهنية، وقد يستطيع الإنسان أن ينجح في الوصول إلى المنصب، لكن النجاح الحقيقي يبدأ بعد الوصول إليه، عندما تتوقف الأضواء ويبدأ العمل الحقيقي، وعندما يصبح عليه أن يثبت بالفعل لا بالكلام أنه كان جديرًا بالثقة التي مُنحت له.
لأن السؤال الذي يظل قائمًا بعد أن تهدأ الضوضاء ليس من كنت، ولا ماذا كان لقبك، ولا كم مرة ظهرت في الصورة، وإنما سؤال واحد: ماذا فعلت؟
فإذا كان المكان بعدك أفضل مما كان عليه، فقد نجحت، وإذا تركت وراءك فريقًا أكثر ثقة، ومؤسسة أكثر قدرة، وشاشة أكثر احترامًا، فقد تركت سيرة تستحق أن تُذكر.
أما الكرسي فسوف يأتي بعدك إليه شخص آخر، كما جاء إليك من قبلك شخص آخر، وهذه هي طبيعة الحياة.
المنصب مؤقت، والموقع عابر، والأضواء تنطفئ، لكن الأثر وحده يملك فرصة للبقاء، ولذلك فإن قيمة منال الدفتار الحقيقية لن تكون في عدد السنوات التي قضتها رئيسة للقناة الأولى، وإنما في مقدار ما تستطيع أن تضيفه إلى هذه المؤسسة، وما إذا كانت ستتركها أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، وأكثر قربًا من جمهورها، وأكثر تمسكًا بقيمة الإعلام ومهنيته.
فالناس قد تنسى إسم من جلس على الكرسي، لكنها لا تنسى المكان الذي تركه أفضل مما وجده،وهذه هي السيرة التي تستحق أن تُكتب.

موضوعات متعلقة