خبراء بمعرض الكتاب..الكتاب باقٍ والناشر مطالب بالتطور
نظم جناح مركز أبوظبي للغة العربية، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة حوارية بعنوان «استشراف المستقبل في صناعة النشر.. ما الجديد؟»، بمشاركة المهندس علي عبد المنعم الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «عرب بوكفيرس» الدولية، والناشر أحمد رشاد المدير التنفيذي للدار المصرية اللبنانية، وأدار الندوة الدكتور محمد خليف المتخصص في الذكاء الاصطناعي وعضو المجلس الأعلى للثقافة.
وفي مستهل الندوة، أكد الدكتور محمد خليف أن التحول الرقمي أصبح جزءًا لا يتجزأ من جميع مناحي الحياة، وتداخل بشكل مباشر مع مختلف الصناعات، بما في ذلك الصناعات التكنولوجية نفسها، موضحًا أن البرمجة التقليدية تأثرت بالفعل بتطورات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن حجم الاستثمارات العالمية في التكنولوجيا الحديثة من المتوقع أن يصل إلى نحو 19 تريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
وشدد خليف على أن الكتاب ما زال يحتفظ بدوره ومكانته، إلا أن الغالبية العظمى من دور النشر العالمية اتجهت بالفعل نحو النشر الرقمي، لافتًا إلى أن الناشر التقليدي أصبح في أزمة حقيقية إذا لم يسعَ إلى مواكبة التطور التكنولوجي والتحول الرقمي.
من جانبه، استعرض أحمد رشاد المدير التنفيذي للدار المصرية اللبنانية مراحل تطور صناعة النشر خلال العشرين عامًا الأخيرة، مشيرًا إلى أنه مع بداية الألفية الجديدة ظهر عدد كبير من المكتبات التي ابتعدت عن الشكل التقليدي، وهو ما ساهم في زيادة رواج الأدب وانتشاره. وأضاف أنه بعد عام 2011، ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المنصات أداة فعالة ساعدت الناشرين على الإعلان عن أعمالهم والوصول إلى جمهور أوسع، وفي المرحلة نفسها ظهر الكتاب الإلكتروني، ثم تلاه الكتاب الصوتي.
وأوضح رشاد أنه بداية من عام 2022 برز الذكاء الاصطناعي بشكل واضح، ولم تظهر التحديات المرتبطة به إلا مع انتشار تطبيقات حديثة مثل «شات جي بي تي»، لافتًا إلى أن مفهوم الناشر تغيّر جذريًا، حيث لم يعد ناشرًا للكتاب الورقي فقط، بل أصبح ناشر محتوى يقوم بالنشر الورقي والرقمي والصوتي، بل وتحويل المحتوى إلى أعمال درامية.
وأكد أن دور النشر شهدت خلال السنوات العشر الأخيرة تحولًا كبيرًا، سواء على مستوى الكيانات أو اللاعبين الأساسيين في السوق، حيث برزت دور نشر شبابية جديدة، وهو ما وضع دور النشر القديمة أمام تحديات مضاعفة، لا تتعلق فقط بالتحول الرقمي، بل تمتد إلى طبيعة المحتوى نفسه، في ظل سيطرة روايات الجريمة والكتب النفسية على اهتمامات القراء.
وأشار رشاد إلى اتجاه بعض دور النشر للتعاون مع البلوجرز وصناع المحتوى لنشر كتبهم، والاستفادة من أعداد المتابعين الكبيرة لديهم في الترويج، الأمر الذي فرض على الناشرين إعادة النظر في خططهم التسويقية. ولفت إلى أن إحدى المشكلات الرئيسية في العالم العربي تتمثل في ضعف قوانين الملكية الفكرية، موضحًا أن دولة الإمارات كانت من الدول الرائدة في هذا المجال، بينما لا تزال العديد من الدول العربية بحاجة إلى تعديل تشريعاتها والتوقيع على اتفاقيات دولية، مثل اتفاقية مراكش، التي لم تنضم إليها بعض الدول حتى الآن، إلى جانب غياب الدعم الحكومي الكافي لصناعة النشر.
وأكد أن التحدي الأكبر حاليًا يتمثل في التسويق، مشيرًا إلى أن الناشر في الماضي كان ينشر ما يتوافق مع رؤيته الفكرية حتى وإن لم يحقق رواجًا جماهيريًا، لامتلاكه أدوات تسويق بديلة، وهو ما لم يعد متاحًا بالشكل نفسه في الوقت الراهن. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء بعض المهن مثل جمع البيانات، لكنه لن يؤثر على الأدب، لأن الإبداع البشري يظل عصيًا على الاستبدال.
بدوره، قال المهندس علي عبد المنعم إن العمل جارٍ حاليًا على زيادة حجم المحتوى العربي الرقمي إلى نحو 100 ألف كتاب، من خلال مشروع «المكتبة الرقمية العربية» الذي أطلقه مركز أبوظبي للغة العربية. وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في تقديم المحتوى بأكثر من وسيلة، سواء ورقيًا أو رقميًا أو صوتيًا، في ظل أزمة توزيع الكتاب الورقي، وعشوائية تسويق الكتابين الرقمي والصوتي، مشيرًا إلى أنه تم البدء في وضع نظام منظم لهذه العملية، رغم أن الطريق لا يزال طويلًا.
وأشار عبد المنعم إلى أن نسبة المحتوى العربي الرقمي على الإنترنت لا تتجاوز 3%، مؤكدًا أن التطبيقات الرقمية تبذل جهودًا كبيرة في التسويق ومحاولة الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، مع السعي إلى تبني آليات تصنيف وعمل مشابهة للتطبيقات العالمية، بما يتناسب مع خصوصية الدول العربية، وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ومعالجة التفضيلات.
وأوضح أن هناك ما يشبه التحالف بين التطبيقات الرقمية تحت مظلة مركز أبوظبي للغة العربية، إلى جانب محاولات مستمرة لحجب المواقع التي تنشر كتبًا مقرصنة. وأكد الإيمان بأن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الناشر أو الوظائف المرتبطة به، بل سيساعد على تطوير الإبداع، وهو ما دفع إلى تعيين كوادر قادرة على استخدام هذه التقنيات الحديثة.
وشدد عبد المنعم على أن المنتج الجيد هو وحده القادر على الاستمرار، سواء كان منتجًا أدبيًا أو إبداعيًا، في حين يختفي المحتوى الضعيف بمرور الوقت، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلًا عن الإبداع البشري. كما أشار إلى وجود محاولات لجمع تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحت مظلة واحدة لتنظيم آليات العمل وتشريعها، بما يضمن الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية.
واختتم عبد المنعم الندوة بالتأكيد على أن تطوير البنية التحتية يعد شرطًا أساسيًا للنهوض بالصناعات الإبداعية بوجه عام، وصناعة النشر بوجه خاص، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.













