أمل المنسى تكتب: وهم النصر ..حين يتقابل التعصبان
ما أشدَّ الشَّبه بين النقيضين حين يُغلقان أبواب العقل!
ذاك الذي يشدُّ حزام الموت حول خصره، يظنُّ أن الدم المهراق سبيلٌ إلى الجنة، فيحوِّل الدين الذي جاء رحمةً إلى راية رعب. وذاك الذي يشعل النار في كتابٍ مقدّس، يتوهم أن ألسنة اللهب قادرة أن تُطفئ نورَ الإيمان، فيحوِّل حرية الفكر إلى سوقٍ للعبث.
الأولُ يزعم أنه جنديٌّ لله، وما هو إلا أداةٌ لغرائز الانتقام، يقتل أخاه في الإنسانية قبل أن يقتل نفسه؛ يسفك دماء الأبرياء ليعلو فوق جثثهم، فيظن أن السماء تستقبله بالتصفيق، والسماء منه بريئة.
والثاني يتباهى بأن عقله تحرر من قيود الغيب، لكنه يستعبد نفسه لشهوة الاستفزاز، يرقص حول رماد الكتب ليقنع ذاته أنه أقوى من الكلمة، وهو في الحقيقة أضعف من حرفٍ فيها.
كلاهما أسيرُ خواءٍ واحد:
هذا يعبد وهم القوة بإسم الدين، وذاك يعبد وهم الحرية بإسم العقل.
هذا مدّعٍ للإيمان، وذاك مدّعٍ للعلم؛ وكلاهما متعصّبٌ لفراغه، يلوّح برايات النصر فيما قلبه مهزوم.
إن الدين الحق لا يبارك دمًا مسفوكًا، والعقل الحق لا يتغذّى من نيران الكراهية.
الإيمان الحقيقي نورٌ يضيء القلوب، لا قنبلة تفجّر الأجساد.
والفكر الحقيقي حوارٌ يبني، لا حريقٌ يهدم.
فلْيفهم هؤلاء وأولئك:
لا ينصر اللهَ من يقتل باسمه، ولا ينتصر على الدين من يحرق صفحاته.
الحق أكبر من دمٍ يُراق وأسمى من ورقٍ يُحرق؛
والإنسانية لا تُقاس بما يرفع المرء من شعارات، بل بما يزرع في الأرض من رحمةٍ وعدلٍ وسلام ..
فلْنُدرك أن القلوب هي ساحة النصر الحقيقية:
من روّض غضبه فقد غلب، ومن زرع الرحمة فقد انتصر.
وما الدين إلا دعوة إلى الرحمة، وما العقل إلا بحث عن الحق…
فلا القاتل باسم الإيمان منتصر، ولا المحرِّق باسم الحرية عاقل؛
المنتصر حقًا هو من حفظ إنسانيته صافيةً من دنس الكراهية .
في النهاية، يبقى الحقُّ أكبرَ من أن تناله رصاصة،
وأبقى من أن تبتلعه نيران كتاب.
وحده القلب الذي يحفظ إنسانيته،
هو الذي يخرج من معارك التعصُّب منتصرًا،
فالنور لا يُطفئه دمٌ ولا رماد…
والرحمة هي النصر الذي لا يُهزم.

