المستشار عصام رفعت يكتب: حين تتحول الشعارات إلى مساءلة: قراءة قانونية اجتماعية فى جدل ”هل حضنت ابنتك اليوم؟”
لم يكن الشعار المتداول أخيرًا على منصات التواصل الاجتماعي «هل حضنت ابنتك اليوم؟» مجرد عبارة عاطفية عابرة، فقد تحوّل خلال أيام قليلة إلى محور جدل واسع ارتبط باتهامات متداولة بحق شخص يُدعى محمد طاهر، وبشهادات نشرتها فتيات عبر وسائل التواصل، وبنقاش مجتمعي محتدم حول حدود الدعم المعنوي، ومسؤولية الخطاب العام، والفارق بين المبادرات الإنسانية والاستدراج العاطفي.
هذا المقال لا ينطلق من موقع الادعاء ولا من منصة الدفاع، بل من مساحة أوسع: مساحة القيم العامة، وسيادة القانون، وكرامة الإنسان؛ حيث لا يجوز إدانة أحد بغير بينة، ولا يجوز كذلك التهوين من شكوى أو شهادة بدعوى انتظار حكم نهائي.
أولاً: من التعاطف إلى الاتهام… كيف تصنع السوشيال ميديا عاصفة؟
تفجّر الجدل بعد تداول منشورات تتهم الشخص المذكور بسلوكيات وُصفت بأنها تجاوزت حدود “الدعم الاجتماعي” إلى ما اعتبرته بعض الشهادات استدراجًا عاطفيًا أو تحرشًا، وترافقت الاتهامات مع نشر صور لمحادثات خاصة وروايات شخصية، في مقابل بيان نُسب إليه يؤكد فيه استعداده للمثول أمام جهات التحقيق ونفيه لأي قصد مسيء.
في هذه اللحظة تحديدًا ينقسم الرأي العام عادةً إلى فريقين:
فريق يتبنى روايات الضحايا فورًا باعتبارها صرخة يجب تصديقها حمايةً لغيرهن.
وفريق يرى في الأمر حملة تشهير غير مكتملة الأركان القانونية.
لكن الحقيقة أن العدالة لا تولد من الانقسام، بل من إجراءات واضحة، وأدلة موثقة، وضمانات تحمي الجميع.
ثانيًا: ما الذي يعدّه القانون تحرشًا؟
القانون المصري عرّف جريمة التحرش تعريفًا واضحًا في المادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات المصري، حيث يُجرّم كل تعرض للغير بإيحاءات أو ألفاظ أو إشارات ذات طبيعة جنسية غير مرغوب فيها، سواء كان ذلك في مكان عام أو خاص أو عبر وسائل الإتصال الحديثة.
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة أمور:
السلوك الاجتماعي غير اللائق: قد يكون مستهجنًا أخلاقيًا لكنه لا يرقى بالضرورة إلى جريمة.
الاستدراج العاطفي أو الاستغلال النفسي: منطقة رمادية تحتاج إلى فحص دقيق للنية والسياق والنتيجة.
التحرش الجنسي المجرّم: فعل أو قول أو إشارة ذات طابع جنسي صريح أو ضمني، غير مرغوب فيه، يثبت بدليل معتبر.
ولا يكفي – قانونًا – تداول لقطات شاشة أو شهادات على وسائل التواصل لإدانة شخص ما؛ إذ يتطلب الأمر بلاغًا رسميًا وتحقيقًا من النيابة العامة وسماع أقوال الأطراف والشهود، وفحص الأدلة تقنيًا وقانونيًا.
ثالثًا: بين قرينة البراءة وحق الضحية في الأمان
من الثوابت الدستورية أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. هذه القاعدة ليست ترفًا قانونيًا، بل ضمانة لحماية المجتمع من الفوضى ومن محاكمات الرأي العام.
لكن في المقابل، من الثوابت الأخلاقية والحقوقية أن كل شكوى يجب أن تُسمع بجدية واحترام، وألا يُعرَّض صاحبها للسخرية أو الوصم أو التخويف.
المعادلة الدقيقة إذن ليست في تصديق مطلق أو تكذيب مطلق، بل في:
حماية المبلِّغات من التنمّر أو الضغط.
حماية المتهم من التشهير غير المثبت.
نقل النزاع من فضاء “الترند” إلى ميزان القانون.
رابعًا: مسؤولية الخطاب العام
حين يستخدم أي شخص خطابًا عاطفيًا يمس الأسرة أو الطفولة أو الاحتياج النفسي، فإنه يتحمل مسؤولية مضاعفة. فالمجتمع بطبيعته يثق في الشعارات التي تمس القيم الإنسانية. وإذا اختلطت هذه الشعارات بعلاقات شخصية غير منضبطة أو بدعوات فردية غير واضحة الأطر، فإن الشكوك تتضاعف.
في المقابل، فإن إطلاق الاتهامات دون مسار قانوني واضح قد يحوّل العدالة إلى ساحة صراع إلكتروني، ويضعف ثقة الناس في المؤسسات.
خامسًا: ما الذي ينبغي أن يحدث؟
من منظور قانوني واجتماعي رشيد، هناك مسارات واضحة:
تقديم بلاغات رسمية إلى النيابة العامة بكل ما يتوافر من أدلة.
توفير حماية قانونية للشاكيات تضمن سرية بياناتهن ومنع أي ضغط عليهن.
الامتناع عن نشر تفاصيل خاصة أو مواد غير موثقة قد تضر بسير التحقيق.
الانتظار الواعي لنتائج التحقيق دون تضخيم أو تهوين.
فالعدالة لا تتحقق بالصوت الأعلى، بل بالإجراء الأدق.
سادسًا: الدرس المجتمعي الأوسع
القضية – أياً كانت نتائجها – تكشف حاجة المجتمع إلى:
نشر الوعي القانوني بمعنى التحرش وحدوده.
بناء مساحات دعم نفسي مؤسسية لا تعتمد على مبادرات فردية غير منظمة.
تعزيز ثقافة الإبلاغ الآمن.
ترسيخ قيمة أن الكرامة الإنسانية لا تُجزّأ.
ليست المسألة شخصًا بعينه، بل قيمة عامة:
أن تكون العلاقة بين الناس قائمة على الإحترام، وأن تكون المحاسبة قائمة على الدليل، وأن يظل القانون هو الفيصل.
كلمة أخيرة
لسنا أمام معركة بين “مؤيد” و“معارض”، ولا بين “ضحية” و“متهم” في ساحة افتراضية. نحن أمام إختبار حقيقي لنضجنا المجتمعي.
فإذا انحزنا للعدالة وحدها، بلا تشهير ولا تبرير، نكون قد انتصرنا جميعًا.
أما إذا تركنا الأمر لمحاكم التواصل الاجتماعي، فسنخسر – بغض النظر عمّن يكون المخطئ.
إن القيم التي نحميها اليوم هي التي ستحمينا غدًا.
المستشار عصام رفعت
القاضي بمجلس الدولة ومستشار وزير الثقافة السابق ، والمحامي بالنقض والإدارية والعسكرية العليا.






