الموجز اليوم
الموجز اليوم

(5)..

مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..لماذا يهرب الشباب من القراءة؟

لم تعد أزمة القراءة في العالم العربي مجرد مشكلة تتعلق بضيق الوقت أو ارتفاع أسعار الكتب أو ضعف المكتبات العامة، بل أصبحت انعكاسًا لتحول عميق في طريقة الحياة نفسها، وفي علاقة الإنسان بالمعلومة والمعرفة والترفيه.

السؤال اليوم لم يعد: لماذا لا يقرأ الشباب؟ بل أصبح أكثر تعقيدًا: لماذا فقدت القراءة قدرتها على جذب الشباب رغم كل هذا الانفتاح المعرفي الهائل؟
الحقيقة أن العالم تغيّر بسرعة أكبر من قدرة الأجيال على استيعابه. في الماضي، كان الكتاب هو الوسيلة الأساسية لاكتشاف العالم، وكان القارئ يشعر أن المعرفة تحتاج إلى جهد وصبر وتأمل، أما اليوم، فقد أصبحت الشاشة الصغيرة داخل الهاتف هي المصدر الأول لكل شيء تقريبًا: الأخبار، القصص، المعلومات، الترفيه، وحتى النقاشات الفكرية. ومع هذا التحول، لم تتراجع القراءة فقط، بل تغير شكل العقل نفسه وطريقة تعامله مع المعرفة.
المحتوى السريع والمختصر والمرئي أصبح أكثر قدرة على جذب الانتباه من النصوص الطويلة التي تحتاج إلى تركيز وهدوء الإنسان المعاصر يعيش وسط سيل متواصل من الإشعارات والفيديوهات القصيرة والمنشورات السريعة، حتى أصبح العقل معتادًا على الاستهلاك السريع للمعلومة، وهنا ظهرت المشكلة الحقيقية، لأن القراءة بطبيعتها تحتاج إلى نوع مختلف من الحضور الذهني، تحتاج إلى التوقف والتأمل وربط الأفكار، بينما الحياة الحديثة قائمة على السرعة والتشتت.

الشاب اليوم لا يعيش مع كتاب واحد، بل مع عشرات النوافذ المفتوحة في اللحظة نفسها. رسالة تصل، وفيديو يظهر، وإشعار جديد يقطع التركيز، ومنصة تعرض محتوى آخر خلال ثوانٍ.. هذا التشتت المستمر جعل القدرة على التركيز العميق أضعف بكثير مما كانت عليه الأجيال السابقة، ولذلك أصبح كثير من الشباب يجد صعوبة في الاستمرار داخل كتاب طويل أو فكرة تحتاج إلى صبر، ليس لأنهم يكرهون المعرفة، بل لأن عقولهم أصبحت مبرمجة على السرعة.
كما أن المدرسة لعبت دورًا كبيرًا في إضعاف العلاقة بين الشباب والقراءة في كثير من الأحيان، تحولت العملية التعليمية إلى مجرد حفظ للمعلومات من أجل الامتحانات، دون بناء علاقة حقيقية بين الطالب والمعرفة، لم يعد الكتاب مرتبطًا بالمتعة أو الفضول أو الاكتشاف، بل ارتبط بالواجب والضغط والخوف من الدرجات، وعندما يكبر الإنسان وهو يرى القراءة كعبء ثقيل، فمن الطبيعي أن يبتعد عنها بمجرد إنتهاء الدراسة.

ثم جاءت المنافسة غير المتكافئة.. الكتاب اليوم ينافس وسائل ترفيه لا تنتهي: ألعاب إلكترونية، فيديوهات قصيرة، منصات اجتماعية، مسلسلات، ومحتوى سريع يُصمم خصيصًا لجذب الانتباه خلال ثوانٍ قليلة. هذه الوسائل تقدم متعة فورية وسهلة، بينما يطلب الكتاب وقتًا وتركيزًا وصبرًا، ومع طبيعة الإنسان التي تميل إلى الراحة السريعة، أصبح المحتوى الأسهل هو الخيار الأكثر انتشارًا.
ولا يمكن تجاهل تأثير غياب القدوة أيضًا.

في الماضي، كان المثقف أو الكاتب أو القارئ شخصية لها حضور واحترام داخل المجتمع. أما اليوم، فقد تراجعت صورة القارئ أمام صورة “المؤثر” السريع أو صانع المحتوى الذي يعتمد على التفاعل اللحظي. وعندما لا يرى الشاب نماذج ناجحة تربط بين القراءة والنجاح الحقيقي، يفقد الإحساس بأن الكتاب يمكن أن يكون جزءًا من مستقبله أو قوته الشخصية.
الأخطر من ذلك أن عصر المعلومات السريعة خلق وهمًا كبيرًا اسمه “المعرفة السطحية”. كثيرون يظنون أن مشاهدة فيديو قصير أو قراءة ملخص سريع تكفي لفهم أي قضية، لكن المعرفة الحقيقية لا تُبنى من شذرات متناثرة، بل من قراءة عميقة وفهم وتحليل وربط بين الأفكار. المحتوى السريع قد يعطي الإنسان معلومة، لكنه لا يمنحه بالضرورة وعيًا أو فهمًا حقيقيًا.
ومع ذلك، من الظلم تحميل الشباب وحدهم مسؤولية هذه الأزمة. فالمشكلة ليست فردية، بل هي نتيجة تغيرات ضخمة في التعليم والإعلام والتكنولوجيا وحتى شكل الحياة اليومية. الشباب لم يقرروا فجأة كراهية القراءة، لكنهم نشأوا داخل عالم يقدم بدائل أسرع وأسهل وأكثر جذبًا، دون وجود مشروع حقيقي يجعل الكتاب حاضرًا في حياتهم بطريقة تناسب العصر.
لكن رغم كل هذا، ما زالت القراءة قادرة على استعادة مكانتها إذا تغيرت طريقة تقديمها. الحل لا يكون بالمواعظ أو اتهام الشباب بالسطحية، بل بفهم طبيعة العصر نفسه. يمكن تقديم المعرفة بأساليب أكثر قربًا من الناس، وربط القراءة باهتمامات الشباب الواقعية، وتحويل بعض الأفكار إلى قصص وروايات وسيناريوهات تجذب الانتباه دون أن تفقد عمقها. كما أن وجود مكتبات حية وأنشطة ثقافية حقيقية وتشجيع النقاش حول الكتب يمكن أن يعيد للقراءة جزءًا من بريقها.
الأسرة أيضًا لها دور أساسي، لأن الطفل الذي يرى القراءة جزءًا طبيعيًا من الحياة داخل البيت، يكبر وهو يعتبر الكتاب شيئًا مألوفًا لا عبئًا ثقيلًا. وكذلك المدرسة، التي يجب أن تعود إلى دورها الحقيقي في صناعة الفضول لا مجرد تلقين المعلومات.
فالقراءة ليست رفاهية ثقافية، بل وسيلة لبناء العقل وتوسيع الخيال وتعميق الفهم. الإنسان الذي يقرأ لا يعيش داخل عالم واحد، بل يرى الحياة من زوايا متعددة، ويتعلم كيف يفكر، لا كيف يكرر ما يسمعه فقط. ولذلك تبقى القراءة واحدة من أهم أدوات حماية الوعي في زمن السرعة والضجيج.
وفي النهاية، فإن هروب الشباب من القراءة ليس نهاية العلاقة مع الكتاب، بل نتيجة طبيعية لعالم تغيرت فيه الأولويات والأدوات، لكن رغم كل شيء، ستظل الحاجة إلى الفهم العميق موجودة داخل الإنسان، حتى لو اختبأت خلف زحام المحتوى السريع وربما تكون العودة إلى القراءة هي جزء من العودة إلى التوازن نفسه، لأن “ع الأصل دور” لا تعني الحنين إلى الماضي فقط، بل تعني استعادة الأشياء التي كانت تبني الإنسان من الداخل، وفي مقدمتها المعرفة، والوعي، واحترام العقل.