مصطفى صلاح يكتب: مبادرة أحمد صبرى..جسر جديد بين الشباب ومؤسسات الدولة
هناك فرق كبير بين أن تعرف شيئًا، وأن تراه بنفسك، فالمعرفة التي تُبنى على المشاهدة تختلف عن تلك التي تُصنع من خلال الشائعات أو مقاطع الفيديو القصيرة أو التعليقات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا تبدو المبادرات التي تدعو إلى تعريف الشباب بمؤسسات الدولة عن قرب جديرة بالتأمل، لأنها تنقل المعرفة من دائرة السماع إلى دائرة الفهم.
من هذا المنطلق، طرح الكاتب الصحفي أحمد صبري، رئيس تحرير موقع «نيوز رووم»، فكرة تنظيم زيارات ميدانية لطلاب الجامعات والعاملين في المؤسسات إلى مقر قيادة الدولة الاستراتيجية «الأوكتاجون»، ولا تتوقف أهمية هذه المبادرة عند زيارة منشأة حديثة، وإنما فيما تفتحه من نقاش حول كيفية بناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة، يقوم على المعرفة المباشرة لا على الانطباعات السريعة.
وليس من قبيل المصادفة أن تصدر هذه الفكرة عن الكاتب الصحفي أحمد صبري، رئيس تحرير موقع «نيوز رووم»، الذي اعتاد أن ينظر إلى الصحافة بوصفها رسالة تنوير قبل أن تكون مجرد وسيلة لنقل الأخبار، فمن يتابع كتاباته يدرك أنه ينحاز دائمًا إلى الأفكار التي تبني الإنسان وتفتح أمامه أبواب المعرفة، بعيدًا عن الإثارة أو الانفعال العابر، وفي هذه المبادرة يتجلى دور الصحفي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسهم في تقديم حلول عملية تعزز الوعي الوطني، وتدفع الشباب إلى الاقتراب من مؤسسات دولتهم بعين الباحث عن الحقيقة، لا بأذن المستمع إلى الشائعات.
إنها رؤية تؤكد أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تتحول إلى مشروع وطني، وأن الصحافة، حين يقودها أصحاب الفكر والمسؤولية، تصبح شريكًا في صناعة المستقبل وترسيخ جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.
وجاء طرح هذه الفكرة بعد إفتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي مقر قيادة الدولة الاستراتيجية «الأوكتاجون» بالعاصمة الإدارية الجديدة، باعتباره أحد المشروعات التي تستهدف تطوير منظومات القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات باستخدام تقنيات حديثة، وقد أعاد هذا الافتتاح الاهتمام بالنقاش حول أهمية تعريف المواطنين، وخاصة الشباب، بطبيعة عمل المؤسسات الوطنية ودورها في إدارة الملفات المختلفة.
لقد أصبح العالم يعيش عصرًا تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم. فكم من خبر يُنشر دون سياق، وكم من صورة تُستخدم خارج إطارها، وكم من مقطع مصور يتحول إلى حقيقة مطلقة رغم أنه لا يعرض سوى جزء صغير من المشهد، وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى وسائل جديدة تمنح الشباب فرصة لرؤية المؤسسات كما هي، لا كما تُصوَّر لهم.
فالطالب الذي يزور مؤسسة وطنية، ويستمع إلى شرح متخصص، ويطرح أسئلته، يخرج بمعرفة مختلفة عن تلك التي يحصل عليها من شاشة الهاتف.
المعرفة هنا لا تأتي من رواية طرف واحد، وإنما من الاحتكاك المباشر، ومن رؤية منظومة العمل على أرض الواقع، ومن فهم كيف تُدار الملفات الكبرى داخل مؤسسات الدولة الحديثة،
ومقر القيادة الاستراتيجية «الأوكتاجون» يمثل نموذجًا لمؤسسة تقوم على التكامل بين التكنولوجيا والإدارة والتنسيق، ومن ثم فإن التعرف إلى طبيعة العمل داخله، من خلال برامج تعليمية منظمة تراعي الإجراءات والضوابط، يمكن أن يضيف بعدًا عمليًا إلى ما يدرسه الشباب في الجامعات، خاصة في مجالات الإدارة والهندسة والاتصالات وعلوم الحاسب والعلوم السياسية، وغيرها من التخصصات التي ترتبط بإدارة المؤسسات.
والأهم من ذلك أن مثل هذه الزيارات تعيد الاعتبار لفكرة التعلم بالمشاهدة، فالتجربة أثبتت أن الإنسان يحتفظ بما يراه ويفهمه أكثر مما يحتفظ بما يسمعه أو يقرأه فقط، ولذلك أصبحت الزيارات التعليمية في كثير من دول العالم جزءًا من العملية التعليمية، سواء إلى البرلمانات أو المحاكم أو المتاحف أو المراكز العلمية أو المؤسسات الوطنية، باعتبارها وسيلة لتوسيع مدارك الطلاب وربط الدراسة بالواقع.
إن بناء الوعي لا يتحقق بإلقاء المحاضرات وحدها، ولا بحملات التوعية التقليدية، وإنما يحتاج إلى تجربة حقيقية يشعر فيها الشاب بأنه يرى بعينيه كيف تعمل المؤسسات، وكيف تُدار الملفات، وكيف تتكامل الأدوار بين الجهات المختلفة. فالمعرفة التي تقوم على الفهم أقدر على الصمود من المعرفة التي تعتمد على التلقين.
كما أن هذه المبادرات قد تسهم في تعزيز ثقافة السؤال، فالشباب بطبيعتهم يبحثون عن الإجابات، وعندما تتاح لهم فرصة الحوار مع المختصين، والاستماع إلى الشروحات، ومناقشة ما يدور في أذهانهم، يصبحون أكثر قدرة على تكوين آرائهم استنادًا إلى المعرفة، لا إلى الانطباعات أو ما يتردد في الفضاء الإلكتروني.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الفكرة باعتبارها مرتبطة بمؤسسة واحدة فقط، بل يمكن أن تكون بداية لبرامج أوسع تشمل مؤسسات علمية، وثقافية، واقتصادية، وخدمية، بحيث يتعرف الطلاب على كيفية إدارة قطاعات مختلفة من الدولة فكل مؤسسة تحمل خبرة تستحق أن تُعرض، وكل تجربة ناجحة تستحق أن يطلع عليها الشباب.
إن العلاقة بين المواطن ومؤسسات بلاده لا ينبغي أن تقوم على المسافة أو الغموض، بل على المعرفة والفهم، وكلما اتسعت مساحة المعرفة، أصبح الحوار أكثر هدوءًا، وقلّت مساحة الشائعات، وازدادت قدرة المجتمع على مناقشة قضاياه استنادًا إلى معلومات لا إلى تصورات.
ويبقى الأهم أن تتحول مثل هذه الأفكار إلى برامج تعليمية وثقافية واضحة، تُنفذ وفق أسس مهنية، وتمنح الشباب فرصة حقيقية للتعلم، لا مجرد جولة عابرة. فالقيمة ليست في مشاهدة المباني، وإنما في فهم ما تمثله، وكيف تعمل، وما الدور الذي تؤديه في منظومة الدولة الحديثة.
إن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ ببناء الإنسان، وبمنحه الأدوات التي تساعده على الفهم والتحليل والتفكير المستقل. وكل مبادرة تفتح نافذة جديدة أمام الشباب للاطلاع على مؤسسات وطنهم، والتعرف إلى طبيعة عملها، تستحق أن تكون جزءًا من نقاش مجتمعي واسع، لأن الأوطان لا تُبنى بالمشروعات وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بعقول تعرف، وتسأل، وتتعلم، وتشارك في صناعة المستقبل على أساس من المعرفة والوعي.







