الموجز اليوم
الموجز اليوم
د. حماد الرمحى يكتب: لماذا لايستقيل وزير التموين؟ محمد ريان يكتب: أشرف زكي..ووزارة الثقافة وحجم المسئولية المتاحة شيماء منصور..تقدم المؤتمر الصحفي للدورة التاسعة من مهرجان القاهرة الدولي للمونودراما كندة علوش ..في ضيافة ”بيت مراد” السبت المقبل محمود سمارة..ضيف برنامج ”سعد مولعها نار” اليوم ” بين الأمس والغد” معرض للمجلس العربى للثقافة والتراث بالأوبرا الدكتورة إيمان المصري: دعم القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي يجسدان رؤية مصر للتنمية المستدامة وبناء الجمهورية الجديدة فيلم الأكشن والإثارة” SEVEN SNIPERS” في دور العرض المصرية الأرجنتين تهزم مصر 3-2وتتأهل إلى ربع نهائي كأس العالم..وقرارات الحكم الفرنسى تثير جدلا واسعا استقالة وزيرة الثقافة..جيهان زكي تغادر المنصب احترامًا لأحكام القضاء محمد رمضان أبوطالب: القيادة الاستراتيجية للدولة تجسد رؤية القيادة السياسية لبناء مؤسسات أكثر جاهزية وكفاءة النائب مختار همام..يتقدم بطلب إحاطة حول سوء ملف الصحة فى سوهاج

د. حماد الرمحى يكتب: لماذا لايستقيل وزير التموين؟

في المشهد السياسي المصري الأخير، تلقينا درساً بليغاً في "تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية"، عندما تقدمت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، باستقالتها فوراً بمجرد صدور حكم قضائي بإدانتها، في قضية الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد.
تلك الاستقالة التاريخية جاءت انتصاراً لكرامة القانون بسبب «مظلمة واحدة» وقعت من الوزيرة على مواطنة مصرية.. مظلمة واحدة كانت كافية لترحل الوزيرة احتراماً لنفسها وللمنصب العام.
ولكن على الجانب الآخر الصادم، يقف وزير التموين شريف فاروق، شامخاً في منصبه، متحصناً بعناده، ومكابراً في غيه، وكأنه يرى في قهر وظلم ودهس ملايين المواطنين الغلابة إنجازاً وطنياً يستحق الفخر!.
إن حرمان ملايين المصريين من الدعم ووقف بطاقة التموين وهدم شبكة الأمان الغذائي ليست سياسات تستوجب الاستقالة فحسب، بل هي تجاوزات صارخة تستدعي المحاكمة القضائية والمحاسبة السياسية العاجلة.
كما أن هذه القرارات العشوائية الممنهجة لا تضرب القوانين والعدالة الاجتماعية في مقتل فحسب، بل تأتي في تحدٍّ صارخ وصادم لتوجهات ورؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ينادي ويكرر في كل محفل أن المواطن البسيط والطبقات الكادحة "خط أحمر"، وأن الحماية الاجتماعية صمام أمان الوطن، لكن الوزير آثر أن يصنع لنفسه مقصلة خاصة، ليقطع بها حبال الود بين المواطن ودولته عبر بنود استبعاد تعجيزية ومبررات واهية.

لقد حكم وزير التموين بالإعدام المعيشي على أكثر من 800 ألف مواطن، وقذف بهم خارج منظومة الدعم لمجرد أنهم قرروا تخفيف العبء عن كاهل التعليم الحكومي المتهالك، وتحملوا الديون لتقسيط مبالغ زهيدة لتدريس أولادهم في مدارس خاصة متواضعة بالقرى والأقاليم لا تتعدى مصاريفها 7000 جنيه! لكن عين الوزارة "العبقرية الفاحصة" رأت في مدارس النجوع المتواضعة هذه "مدارس دولية" على غرار مدارس التجمع الخامس، واستكثرت على أطفالهم رغيف الخبز وكيلو السكر!

وفي الوقت الذي تتبنى فيه الدولة ذوي الاحتياجات الخاصة، جاء الوزير ليحذف آلاف المعاقين من الدعم لمجرد أنهم مارسوا حقاً كفله لهم القانون، واشتروا «سيارة مجهزة» تقيهم ذل الحركة وتحميهم من بهدلة المواصلات غير المؤهلة، إلا أن وزير التموين اعتبر الكرسي المتحرك والسيارة المجهزة طبياً دليلاً على الرفاهية والثراء الفاحش، فقرر حذفهم وحرمانهم من الدعم!.

كما اخترعت الوزارة تهمة «الرفاهية المُفرطة» لحذف كل من سجل عداده الكهربائي 650 كيلووات، فإذا تجرأ المواطن على تشغيل "تكييف" ليرحم أطفاله من لهيب الصيف ونار الطقس في الصعيد والدلتا، صُنّف فورًا كـ«ملياردير متخفٍ» يستحق التجويع!
وعوقب مرتين؛ مرة من وزارة الكهرباء التي رفعت فاتورة استهلاكه ثلاث مرات ثم قامت بنقله إلى شرائح مرتفعة ثم حولته قسراً إلى «العدادات الكودية» التي لا ترحم والتي تبدأ بسعر موحد بلغ 2.74 جنيه للكيلووات، لتأتي وزارة التموين فتتخذ فاتورة الكهرباء ذريعة لشطبه من الدعم، فيتحول التكييف إلى دليل إدانة، والاستهلاك إلى جريمة، والدعم إلى امتياز لا حق، في سياسة لا ترى في المواطن إلا متهمًا، ولا تجيد سوى الجباية والعقاب.
فهل المطلوب من شعب مصر أن يعيش في الظلام الدامس وعصور ما قبل التاريخ حتى يثبت استحقاقه للدعم؟!

لم تتوقف الوزارة عند ذلك، بل ابتكرت معيارًا جديدًا للعقاب؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه الدولة إلى دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتشجع الشباب على إقامة المشروعات الصغيرة، وتوسيع القاعدة الضريبية، جاء وزير التموين ليعاقب كل من استخرج سجلًا تجاريًا أو بطاقة ضريبية، فيساوي بين صاحب كشك أو ورشة متواضعة وبين كبار رجال الأعمال، وكأن الرسالة الرسمية للمواطن أصبحت: لا تعمل، لا تدفع ضرائب، لا تُقنن أوضاعك، ولا تستجب لمبادرات الدولة... وإلا خسرت حقك في الدعم.

لم يكتف الوزير بذلك، بل مدَّ مقصلة الاستبعاد إلى فئات أخرى، فاعتبر «الممارسة» في الكهرباء، وهي واقع فرضته الدولة نفسها على ملايين الأسر المحرومة من التوصيل الرسمي، دليلًا كافيًا للحرمان من التموين، رغم أن أصحابها يسددون مستحقاتهم بانتظام، ليوقع عليهم عقوبتين عن الفعل ذاته، في مخالفة صريحة لمبدأ عدم تعدد العقوبات، رغم أن الاختصاص القانوني بمخالفات الكهرباء ينعقد لوزارتي الكهرباء والداخلية، لا لوزارة التموين.

وامتدت المقصلة كذلك إلى أصحاب مخالفات البناء أو التعدي على الأراضي، رغم أن القانون عاقبهم بالفعل بالغرامات، أو بالتصالح، أو بالإزالة، وأحيانًا الحبس، لتضيف وزارة التموين عقوبة جديدة لم ينص عليها قانون، فتنتقم من الأسرة بحرمانها من الغذاء، لا من المخالف وحده.
وهكذا حولت وزارة التموين منظومة الدعم من شبكة أمان اجتماعي إلى أداة للعقاب الجماعي، في تجاهل للدستور، وللمبادئ القانونية، وللسياسة الإنسانية التي تتبناها مؤسسات الدولة نفسها، والتي تحرص حتى على حماية أسر المحكوم عليهم من الجوع والتشرد.

إن الشروط المثالية للمواطن المستحق للدعم في فلسفة وزير التموين تبدو واضحة: ألا يعمل، وألا يدفع ضرائب، وألا يقنن وضعه، وألا يبني، وألا يشتري سيارة مجهزة لإعاقته، وألا يشغل تكييفًا، وألا يضيء منزله... باختصار، أن يكون مواطنًا بلا حياة.

والخلاصة يا سادة: إذا كانت وزيرة الثقافة قد غادرت منصبها احترامًا للقانون بعد «مظلمة واحدة» طالت مواطنة واحدة، فبأي منطق، وبأي مسؤولية سياسية، يستمر وزير التموين في موقعه بعد أن تسببت قراراته في الإضرار بملايين المواطنين، وأثارت كل هذا الجدل القانوني والاجتماعي، وأفرغت فلسفة الدعم من مضمونها الإنساني؟
#ارحل_يرحمك_الله