السرد والمعرفة : تفكيك البنية الفلسفية فى ” ثلاث حواديت” عند دعاء عبد المنعم
ليست الكتابة الموجهة إلى الطفل فعلًا ترفيهيًا عابرًا، كما يظن بعض الكُتاب، بل هي واحدة من أكثر أشكال الكتابة تعقيدًا وخطورة، لأنها تتعامل مع الوعي في طور التكوين، وتسهم في بناء الإنسان قبل أن تكتمل صورته النهائية، ومن هذا المنطلق تأتي مجموعة «ثلاث حواديت»، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، تحت عنوان سر كتاب الخلود للكاتبة والأديبة دعاء عبد المنعم، بوصفها مشروعًا سرديًا يسعى إلى المزج بين المتعة والمعرفة، وبين الخيال والتربية، وبين الحكاية بوصفها عالمًا جماليًا والحكاية بوصفها أداة لصناعة القيم.
وتضم المجموعة ثلاث قصص هي: «الحقيبة السحرية»، و«سر كتاب الخلود»، و«ريناد والبيضة المجهولة»، وعلى الرغم من إختلاف فضاءاتها الحكائية وشخصياتها وأحداثها، فإنها تلتقي عند نقطة مركزية تتمثل في البحث عن المعرفة باعتبارها طريقًا للتحرر، وعن الفضيلة باعتبارها أساسًا لبناء الذات الإنسانية، كما إن ما يلفت النظر في هذه القصص ليس فقط قدرتها على مخاطبة الطفل بلغة بسيطة ومحببة، وإنما نجاحها في تمرير رؤى فكرية وفلسفية عميقة تحت غطاء الحكاية، بحيث يصبح السرد أداة للتعليم غير المباشر، وتصبح المغامرة وسيلة لإعادة تشكيل الوعي.
اعتمدت القصص الثلاث على بنية سردية تقليدية في ظاهرها، تبدأ بحالة من الإستقرار، ثم تتعرض لإختلال أو أزمة، لتتحرك الشخصيات في رحلة بحث تنتهي إلى إكتشاف أو تحول معرفي وأخلاقي، ففي «الحقيبة السحرية» يتحول الشيء المادي البسيط إلى رمز معرفي، إذ لا تكمن قيمة الحقيبة في شكلها أو إمتلاكها، بل فيما تمنحه من قدرة على الفهم والتعلم وإكتشاف الذات، وهنا تتجاوز القصة حدود الحدث الخارجي لتطرح سؤالًا فلسفيًا مهمًا، وهو هل تكمن القوة الحقيقية في الأشياء أم في الإنسان الذي يحسن استخدامها؟، أما «سر كتاب الخلود» فتبني الكاتبة دعاء عبد المنعم عالمها السردي على فكرة البحث عن المعرفة بوصفها شكلًا من أشكال الخلود الرمزي، فالخلود هنا لا يُقدم بوصفه بقاءً جسديًا، بل استمرارًا للأثر الطيب والعلم النافع والعمل الصالح، ومن ثم تتحول الرحلة السردية إلى رحلة وجودية تبحث في معنى البقاء ومعنى القيمة الإنسانية، في حين تعتمد الكاتبة فى «ريناد والبيضة المجهولة» على بنية الإكتشاف التدريجي، إذ تنطلق الأحداث من فضول طفولي مشروع تجاه المجهول، ثم تتطور نحو معرفة أوسع بالعالم والطبيعة، ويصبح السؤال هو المحرك الأساسي للأحداث، وكأن القصة تؤكد أن المعرفة تبدأ دائمًا من الدهشة.
تتميز القصص الثلاث بمجموعة من التقنيات الفنية التي تجعلها قادرة على جذب الطفل دون التضحية بالرسالة التربوية، وأول هذه التقنيات هو توظيف التشخيص، حيث تتحول بعض الكائنات أو الأشياء إلى شخصيات حية تمتلك مشاعر وأفكارًا وحوارات، وهذه التقنية ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل تمثل جسرًا نفسيًا يربط الطفل بعالم القصة، كما نجحت الكاتبة دعاء عبد المنعم في توظيف الحوار بوصفه أداة للكشف عن الشخصيات وتحريك الأحداث، فجاء الحوار خفيفًا ومناسبًا للفئة العمرية المستهدفة، بعيدًا عن الوعظ المباشر أو الخطاب التعليمي الجامد، أما الوصف فقد جاء اقتصاديًا ودقيقًا، يكتفي بما يخدم الحدث ويحفز خيال القارئ دون إغراق في التفاصيل، وهذه سمة مهمة في أدب الطفل، لأن الإفراط في الوصف قد يشتت الإنتباه ويبطئ إيقاع السرد، كما تبرز كذلك تقنية التشويق القائم على تأجيل المعرفة، فكل قصة تبني لغزًا أو سرًا يدفع القارئ إلى متابعة الأحداث حتى النهاية، وهنا يتحول الفضول إلى قوة دافعة للسرد، وهو ما يمنح النصوص حيوية وحركة مستمرة.
إذا تجاوزنا المستوى الحكائي المباشر سنكتشف أن القصص الثلاث تتحرك داخل فضاء فلسفي واضح،
فـ«الحقيبة السحرية» تناقش العلاقة بين المعرفة والسلطة، فالقوة ليست في إمتلاك الأشياء بل في إمتلاك الوعي، ومن هنا تطرح الكاتبة عبر القصة رؤية إنسانية تؤكد أن العلم هو أعظم أشكال القوة وأكثرها دومًا، أما «سر كتاب الخلود» فيلامس واحدة من أقدم القضايا الفلسفية في تاريخ الإنسانية وهي الخلود، فمنذ الأساطير القديمة وحتى الفلسفات الحديثة ظل الإنسان يبحث عن وسيلة يتجاوز بها محدودية العمر، والقصة تقدم إجابة تربوية راقية مفادها أن الخلود الحقيقي يتحقق من خلال العلم والعمل والقيم الإنسانية، وفي «ريناد والبيضة المجهولة» تتجلى فلسفة السؤال بوصفه أساس المعرفة، فالإنسان لا يتطور لأنه يعرف، بل لأنه يتساءل، وهنا تتحول البيضة المجهولة إلى رمز لكل ما يحيط بنا من أسرار تنتظر من يكتشفها، وبذلك تنتقل دعاء عبد المنعم بالقصص من مستوى الحكاية إلى مستوى التأمل في الإنسان وعلاقته بالعالم، وهو ما يمنحها قيمة فكرية تتجاوز حدود التلقي الطفولي المباشر.
نجحت الكاتبة دعاء عبد المنعم من خلال مجموعة الحواديت في تقديم منظومة متكاملة من القيم التربوية دون الوقوع في فخ المباشرة أو الوعظ،
فهي تدعو إلى حب القراءة والإطلاع، وإحترام العلم والمعرفة، وكذلك تنمية الفضول الإيجابي، علاوة على الثقة بالنفس، بالإضافة إلى المثابرة في مواجهة الصعوبات، والتعاون والعمل الجماعي، وإحترام الطبيعة والكائنات الحية، وكذلك الإيمان بأن النجاح ثمرة للجهد لا للحظ، واللافت أن هذه القيم لا تُطرح في صورة شعارات، بل تتجسد داخل المواقف والأحداث والشخصيات، وهو ما يجعل تأثيرها أكثر عمقًا وإستدامة.
يمكن القول إن أهم نقاط قوة المجموعة تتمثل في قدرتها على تحقيق التوازن بين الوظيفة الجمالية والوظيفة التربوية، فلا تطغى الرسالة على الفن، ولا يبتلع الترفيه البعد القيمي،
كما تتميز النصوص بوضوح الفكرة وسلاسة اللغة وملاءمة البناء السردي للمتلقي الطفل، غير أن القيمة الحقيقية لهذه القصص تكمن في أنها لا تقدم المعرفة باعتبارها معلومات جاهزة، بل باعتبارها رحلة بحث وإكتشاف، وهذا التحول من التعليم إلى الإكتشاف يمثل أحد أهم الإتجاهات الحديثة في أدب الطفل المعاصر، لذا نجحت الكاتبة دعاء عبد المنعم في تحويل الحكاية إلى مختبر إنساني صغير، يتعلم فيه الطفل كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط، وهذا فارق جوهري بين الأدب الذي يلقن والأدب الذي يوقظ الوعي.
تكشف «ثلاث حواديت» عن وعي سردي يدرك أن الطفل ليس قارئًا صغيرًا فحسب، بل إنسان كامل الإمكانات في بداية رحلته مع العالم، ولذلك جاءت القصص الثلاث بوصفها دعوة مفتوحة إلى المعرفة، وإلى إكتشاف الذات، وإلى الإيمان بقيمة السؤال والعمل والعلم، من خلال نصوص تنطلق من بساطة الحكاية لكنها تنتهي إلى عمق الفلسفة، إذ تجعل من الحقيبة رمزًا للمعرفة، ومن الكتاب رمزًا للخلود، ومن البيضة المجهولة رمزًا للدهشة الأولى التي وُلد منها العلم والحضارة والإنسان نفسه، وبهذا المعنى لا تقدم الكاتبة دعاء عبد المنعم في هذه المجموعة قصصًا للأطفال فقط، بل تقدم رؤية إنسانية تؤكد أن الطريق إلى المستقبل يبدأ دائمًا من كتاب، ومن سؤال، ومن خيال قادر على تحويل العالم إلى مساحة لا نهائية من الإكتشاف.





