الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: مجدى الجلاد و” الباز أفندي ” ..ألو يا أمم!

أعترف أنني ضحكت لا من الأشخاص، ولا من الأسماء، فلكل إنسان مكانته وتاريخه، ولكنني ضحكت من تلك المفارقات التي لا يكتبها مؤلف، ولا يتخيلها كاتب سيناريو، بل تصنعها الحياة وحدها، ثم تجلس تتفرج علينا ونحن نحاول فهم ما حدث.
كنت أتابع لقاء الكاتب الصحفي الكبير مجدي الجلاد مع الإعلامية نبيلة البدوي على شاشة قناة الشمس، وأنا أتوقع حوارًا يليق برجل قضى عمره بين الحروف والعناوين، وترأس تحرير «المصري اليوم»، وأسس «الوطن»، وخاض معارك مهنية وسياسية وفكرية، جعلت إسمه واحدًا من أبرز الأسماء الصحفية في مصر.
الرجل دخل الاستوديو هادئًا، كعادته، يحمل خبرة سنوات طويلة، ولم يكن يدري أن المفاجأة لن تأتيه من سؤال محرج، بل من فقرة صور، يبدو أن فريق الإعداد قرر التعامل معها بروح المغامرة.
ظهرت صورة الرئيس الراحل حسني مبارك..أمر طبيعي.
ثم ظهرت صورة اللواء الراحل عمر سليمان..ولا شيء يدعو للدهشة.
ثم فجأة، وكأن عامل المونتاج قرر أن يأخذ إجازة من المنطق، ظهرت صورة الدكتور محمد الباز.
هنا، والله، توقفت قليلًا، وظننت أنني أخطأت في المتابعة، أو أن جهاز التلفاز أصيب بحالة من الدوار، لكنني اكتشفت أن كل شيء يسير بشكل طبيعي، إلا ترتيب الصور.
وفي تلك اللحظة، تذكرت نظرة مجدي الجلاد، الرجل الذي أمضى عمره يرتب الكلمات والعناوين، فإذا به يواجه ترتيبًا يحتاج إلى شرح أكثر مما يحتاج إلى تعليق.
وبصراحة، شعرت أن الرجل كان يبحث عن سماعة هاتف قديمة، ليهتف بصوت توفيق الدقن:
"ألو يا أمم!".
ولأن المصريين أولاد نكتة، فقد وجدت نفسي أتذكر شخصية "الباز أفندي" التي جسدها العبقري توفيق الدقن في فيلم "ابن حميدو".
ولم يكن الأمر تشبيهًا بقدر ما كان استدعاءً طبيعيًا لروح السينما المصرية، لأن مجدي الجلاد نفسه هو من أعاد إسم "الباز أفندي" إلى الذاكرة، وكأن الرجل وجد أن إفيهًا واحدًا من توفيق الدقن أبلغ من مائة تعليق.
والحق يقال، إن مجدي الجلاد تعامل مع الموقف بخفة ظل الصحفي الكبير، فلم يغضب، ولم يفتعل أزمة، بل اكتفى بابتسامة رجل يعرف أن بعض المفارقات لا تحتاج إلى أكثر من ضحكة.
أما أنا، فكنت أتساءل عن صاحب هذه الفكرة العبقرية.
من الذي قرر أن يضع هذه الصور بهذا الشكل؟
ومن الذي أقنع فريق الإعداد بأن هذا الترتيب لا يحتاج إلى تفسير؟
ومن الذي قال إن البلنس في الإكسلانس؟
يبدو أن البلنس خرج يتمشى قليلًا، وترك الإكسلانس وحيدًا داخل الاستوديو.
ولو كان توفيق الدقن بيننا، لنظر إلى الشاشة، ثم إلى صاحب الفكرة، ثم أطلق ضحكته الشهيرة، وقال:"يا سلام يا همبكة!"،وهي الكلمة التي تصلح في رأيي لوصف كل شيء لا يجد العقل له تفسيرًا.
فالمشكلة ليست في الأشخاص، وإنما في ذلك الترتيب الذي جعل المشاهد يبحث عن الرابط، كما يبحث طالب الثانوية العامة عن درجتين رأفة.
ولو سألت أي مواطن بسيط عن سر هذا التسلسل العجيب، فلن يحدثك عن الإعلام ولا عن السياسة، وإنما سيهز رأسه ويقول ببساطة:"يا سلام يا همبكة".
وأعترف أنني أشفقت على مجدي الجلاد، لأن الرجل جاء ليتحدث عن خبرته الطويلة، فإذا به يجد نفسه فجأة بطلًا لمشهد كوميدي لم يكتبه أحد.
وربما كان الرجل في داخله يقول لفريق الإعداد:يا جماعة، أحلى من الشرف مفيش، لكن لكل صورة مكانها، ولكل مقام مقال.
فالصحافة علمتنا أن السياق نصف المعنى، وأن الصورة إذا خرجت من سياقها، أصبحت مثل من يرتدي بدلة فرح في عزاء، أو مثل من يضع الشطة على الأرز باللبن ثم يحدثك عن الإبداع.
ومع ذلك، لا أنكر أن فريق الإعداد نجح في شيء عجز عنه كثيرون.
نجح في استدعاء روح توفيق الدقن من زمن الأبيض والأسود، وأعاد "الباز أفندي" إلى الذاكرة، وجعل المشاهدين يبتسمون، بينما كان مجدي الجلاد يتعامل مع الموقف بحكمة الكبار، وبخفة ظل أبناء المهنة الذين يعرفون أن الدنيا لا تستحق كل هذا الغضب.
ولو كان توفيق الدقن حاضرًا داخل الاستوديو، لاقترب من صاحب الفكرة وربت على كتفه، وقال له:"أحلى من الشرف مفيش".
ثم يبتسم ابتسامته الساخرة ويضيف:"صلاة النبي أحسن"،
ثم ينظر إلى الشاشة مرة أخرى، ويهز رأسه في أسى، قائلًا:
"يا سلام يا همبكة".
أما مجدي الجلاد، فقد خرج من الحلقة كما دخلها، صحفيًا كبيرًا يعرف أن الخطأ وارد، وأن المفارقات جزء من الحياة، لكنه بالتأكيد لم يكن يتصور أن يجد نفسه شاهدًا على مشهد يجعل ذاكرة المصريين تستدعي "الباز أفندي" من جديد.
أما أنا، فكلما تذكرت المشهد، لا أجد وصفًا أدق مما قاله توفيق الدقن ذات يوم.
أرفع سماعة الخيال، وأنظر إلى فريق الإعداد، ثم أصرخ معهم ومع مجدي الجلاد:"ألو يا أمم!"،
ثم أترك توفيق الدقن يختم الحكاية كلها بجملة واحدة تصلح عنوانًا للمشهد بأكمله:
"يا سلام يا همبكة!".