مصطفى صلاح يكتب: سميرة الدغيدى..حكاية إمرأة صدقت قلبها
بعض الناس لا يصنعون أسماءهم بالصوت العالي، ولا يطرقون الأبواب بعنف، لكنهم يدخلون إلى القلوب بهدوء، ويتركون أثرًا يشبه رائحة الياسمين، لا يُرى لكنه يبقى حاضرًا، يذكرك بأن الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى صخب حتى تُعرف.
هكذا تبدو سميرة الدغيدي، رئيس مجلس إدارة قناة الشمس، امرأة جاءت تحمل حلمًا صغيرًا، كأي حلم يولد في قلب صاحبه خجولًا، يخشى العثرات، لكنه يكبر كلما سكنه اليقين، لم تكن الرحلة مفروشة بالورود، ولم تكن الأيام كلها بيضاء، فالدنيا لا تمنح أحدًا مفاتيحها بسهولة، لكنها كانت تعرف أن الأقدام التي لا تتوقف، تصل، ولو بعد طول انتظار.
هناك بشر وهبهم الله نعمة الإيمان بما يفعلون، فإذا أحبوا شيئًا أعطوه أعمارهم، وصبروا عليه، وحملوه على أكتافهم كما تحمل الأم طفلها الأول، تخاف عليه من الريح، وتنتظر أن يكبر ويشتد عوده. ولعل هذه الحكاية تشبه كثيرًا حكاية سميرة الدغيدي مع الإعلام، ذلك العشق القديم الذي منحته قلبها، فمنحها مكانة تستحقها بجدارة.
وحين تولت رئاسة مجلس إدارة قناة الشمس، لم تتعامل مع المنصب باعتباره وجاهة أو لقبًا يسبق الاسم، بل باعتباره مسؤولية ورسالة.. كانت ترى أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الإمكانيات، وإنما بقدرة الإنسان على أن يصنع من القليل كثيرًا، وأن يمنح الجمهور محتوى يحترم عقله ويقترب من نبضه.
لم تنظر إلى الشاشة باعتبارها طريقًا إلى الشهرة، ولا إلى الأضواء باعتبارها غاية، كانت ترى الرسالة قبل الصورة، وترى الناس قبل الأرقام، وتؤمن أن الكلمة التي تخرج من القلب تعرف طريقها إلى القلوب، وأن الاحترام لا يُشترى، بل يُكتسب بالصدق وطول النفس.
والحقيقة أن الأيام لا تحفظ إلا أصحاب السعي، أما الضجيج فيذهب مع أول ريح، ويبقى الذين تعبوا، والذين راهنوا على العمل، والذين آمنوا أن النجاح ابن التعب، وأن الشجرة التي لا تضرب جذورها عميقًا، تقتلعها أول عاصفة.
في شخصيتها شيء من النساء المصريات اللاتي عرفن كيف يحولن القسوة إلى قوة، والوجع إلى دافع، والخوف إلى خطوة جديدة. لم تكن ممن ينتظرون الفرصة على الأرصفة، بل كانت تخلق فرصتها بيديها، وتفتح الأبواب المغلقة بالصبر، وتؤمن أن الله لا يضيع تعب المخلصين.
ولعل ما تحقق على شاشة قناة الشمس لم يكن بعيدًا عن تلك الروح، فقد آمنت سميرة الدغيدي بأن النجاح لا يُشترى بالأموال وحدها، وإنما تصنعه الفكرة الصادقة، ويمنحه الجمهور ثقته حين يجد نفسه حاضرًا فيما يُقدم إليه. ولهذا أصبحت القناة بيتًا لكثير من المواهب، ومساحة تسعى إلى مخاطبة الناس بلغتهم وهمومهم وأحلامهم.
وأجمل ما في الحكاية أن النجاح لم يسرق منها الإنسان. بقيت قريبة من الناس، من أحلامهم الصغيرة، ومن حكاياتهم التي تشبه حكاياتنا جميعًا. لم تنس أن الإعلام، قبل أن يكون صناعة، هو ضمير، وأن الكاميرات مهما كثرت، لا قيمة لها إذا غاب عنها نبض البشر.
ثمة أناس يمنحهم الله نعمة القيادة، ليس لأنهم يجلسون على المقاعد الكبيرة، بل لأنهم يعرفون كيف يمنحون الآخرين الثقة، وكيف يزرعون الأمل في نفوس من يعملون معهم. وهذه من الصفات التي لا تُدرس في الكتب، لكنها تُولد مع أصحاب القلوب الكبيرة.
وحين تنظر إلى مسيرتها، تشعر أن الأمر أكبر من نجاح مهني، وأن الحكاية في أصلها حكاية إيمان. إيمان بموهبة منحها الله لصاحبتها، وإيمان بأن التعب لا يضيع، وأن الأبواب التي تُغلق اليوم، ربما يفتح الله بدلًا منها نوافذ لا تخطر على البال.
لهذا تصبح بعض الأسماء أقرب إلى الحكايات الجميلة التي يحب الناس روايتها، لا لأنها خالية من التعب، بل لأن أصحابها عبروا الطريق بكرامة، ولم يبيعوا أرواحهم في منتصف الرحلة.
وهكذا تبدو سميرة الدغيدي؛ امرأة لم تطلب من الدنيا أكثر من فرصة عادلة، فلما جاءت الفرصة، استقبلتها بقلب المؤمن، وعقل المجتهد، وصبر العارف بأن لكل زرع أوانًا، ولكل دعاء موعدًا، وأن الله لا يخذل من أخلص النية، وأحب عمله، وسار في طريقه دون أن يؤذِ أحدًا.
وتبقى الأشياء الصادقة وحدها قادرة على البقاء، ويبقى أصحاب الأثر الطيب حاضرين، حتى وإن غابوا عن العيون، لأن المحبة رزق، والقبول نعمة، والسيرة الحسنة عمر آخر يكتبه الناس بألسنتهم، وتحتفظ به القلوب، جيلاً بعد جيل.
هكذا تُروى الحكايات الجميلة، وهكذا تبقى أسماء من أحبوا ما يفعلون، ومنحوا أعمارهم لما آمنوا به. وهكذا أيضًا تُكتب سيرة امرأة اسمها سميرة الدغيدي، رئيس مجلس إدارة قناة الشمس، التي اختارت أن يكون نجاحها ابنًا للكد والاجتهاد، وأن يكون أثرها شاهدًا على أن الإخلاص، مهما طال الطريق، لا يضيع.














