د. أيمن الدهشان..عبر ”سكاى نيوز عربية”: صناعة القيادات تبدأ من الآن..والاستثمار الحقيقي هو بناء الإنسان
في إطار مناقشة مستقبل إعداد القيادات وآليات اختيار الكفاءات القادرة على تولي المسؤولية، استضاف برنامج «منصات» على قناة Sky News Arabia الدكتور أيمن الدهشان، استشاري التنمية الإدارية والتطوير المؤسسي، في حوار تناول مفهوم القيادة، ودور المؤهلات العلمية في صناعة القائد، ومعايير اختيار القيادات وتأهيلها، وأبرز التجارب الدولية في إعداد قادة المستقبل.
وأكد الدهشان أن صناعة القيادات لم تعد رفاهية إدارية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات المتسارعة التي تواجه الدول والمجتمعات، مشيرًا إلى أن مستقبل المؤسسات والأوطان يرتبط بقدرتها على اكتشاف الكفاءات وتأهيلها وإعدادها لتحمل المسؤولية بكفاءة ووعي.
القيادة.. فطرة تُصقل بالعلم والخبرة
وأوضح الدهشان أن القيادة مزيج من الاستعداد الفطري والتعلم والخبرة العملية؛ فالفطرة تمنح الإنسان استعدادًا أوليًا، والعلم يطور قدراته على الفهم والتحليل، بينما تصقل الخبرة مهاراته من خلال المواقف والتجارب العملية.
وأشار إلى أن جوهر القيادة لا يتوقف عند امتلاك المعرفة أو الحصول على الشهادات، وإنما يتمثل في القدرة على التأثير في الآخرين، وتوحيد جهودهم نحو هدف مشترك، وتحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن الماجستير والدكتوراه يمثلان قيمة علمية مهمة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لصناعة قائد ناجح؛ إذ لا بد من الجمع بين المعرفة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
اختيار القيادات.. الكفاءة قبل المنصب
وشدد الدهشان على ضرورة تطوير منظومات اختيار القيادات بحيث تقوم على معايير موضوعية للجدارة والكفاءة، بعيدًا عن الاكتفاء بالأقدمية أو المؤهلات النظرية أو الانطباعات الشخصية.
وأوضح أن اكتشاف القائد الحقيقي يتطلب تقييم قدرته على تحليل المشكلات، وإدارة الموارد، والتعامل مع الأزمات، والعمل ضمن فريق، واتخاذ قرارات متوازنة تحقق أهداف المؤسسة وتخدم المجتمع.
واقترح التوسع في استخدام مراكز تقييم ومحاكاة للمواقف القيادية، بحيث يواجه المرشحون تحديات عملية تحاكي الواقع، في مجالات مثل الزراعة والصناعة والتعليم والصحة، ثم تُقيّم استجاباتهم وفق مؤشرات واضحة تشمل جودة التحليل، وواقعية الحلول، والقدرة على التنفيذ، وقياس النتائج.
وأكد أن الهدف ليس إعداد قيادات تحفظ المعلومات عن المجتمع، بل إعداد قيادات تفهم احتياجاته وتستطيع التعامل مع تحدياته وتحويلها إلى فرص للتطوير والتنمية.
الدهشان يشيد بأهمية الاستعداد المبكر لإعداد قيادات المستقبل
وفي سياق مناقشة ما أُعلن بشأن إعداد كوادر مؤهلة للمستقبل، أثنى الدهشان على أهمية الوضوح والشفافية في طرح القضايا المتعلقة بمستقبل القيادة والمسؤولية، معتبرًا أن الاستعداد المبكر لإعداد الكفاءات يفتح المجال أمام بناء منظومة مؤسسية أكثر تنظيمًا واستدامة.
وأشار إلى أن البدء في إعداد القيادات قبل حلول مواعيد انتقال المسؤولية بسنوات يمنح المؤسسات فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب، وتطوير المهارات، واختبار القدرات، وتقييم مدى الاستعداد لتحمل المسؤولية.
وأضاف أن أهمية هذا التوجه تكمن في أن إعداد القادة عملية تراكمية تحتاج إلى وقت وتخطيط وتدريب وممارسة، ولا يمكن اختزالها في دورة تدريبية قصيرة أو شهادة علمية أو قرار بتولي منصب.
وأكد أن الاستفادة من أي توجه وطني لإعداد القيادات تتطلب ترجمة الرؤية إلى برنامج متكامل، تتحدد فيه معايير الاختيار، والكفاءات المستهدفة، ومراحل التدريب، وآليات التقييم، ومؤشرات قياس الأداء والنتائج.
تجارب دولية.. والهدف بناء نموذج يناسب مصر
وتطرق خبير التنمية الإدارية إلى أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في إعداد القيادات، مشيرًا إلى نماذج مثل سنغافورة وفرنسا والمملكة المتحدة، التي تقدم خبرات متنوعة في تطوير الكفاءات الحكومية والقيادات التنفيذية.
وأوضح أن الاستفادة من هذه التجارب لا تعني نقلها بصورة حرفية، وإنما دراسة عناصر نجاحها وتكييفها وفقًا لاحتياجات المجتمع المصري وأولوياته، بما يضمن إعداد قيادات تجمع بين المعرفة المتخصصة، والقدرة التنفيذية، والوعي بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وشدد على أن بناء منظومة وطنية لإعداد القيادات يجب أن يرتبط باحتياجات المجتمع الفعلية، وأن تكون نتائجها قابلة للقياس، من خلال تحسين أداء المؤسسات، ورفع كفاءة الخدمات، وتطوير أساليب الإدارة، وإعداد صفوف جديدة من الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية.
صناعة القيادات.. استثمار في مستقبل الأوطان
واختتم الدهشان رؤيته بالتأكيد على أن الهدف من إعداد القيادات ليس شغل المناصب في حد ذاته، وإنما بناء مؤسسات قوية وقادرة على الاستمرار والتطور، وإعداد أجيال جديدة تستطيع مواصلة العمل وتحقيق نتائج أفضل.
وأشار إلى أن القائد لا يُقاس فقط بما يحققه خلال فترة مسؤوليته، بل أيضًا بقدرته على تطوير المؤسسة، وتمكين العاملين بها، وإعداد من يستطيعون مواصلة المسيرة من بعده.
واختتم رسالته بالتأكيد على أن مستقبل مصر والوطن العربي يرتبط بالاستثمار في الإنسان، واكتشاف الكفاءات، وإتاحة الفرص أمام أصحاب الجدارة، وبناء منظومات مستدامة لتأهيل القيادات.
فالقائد الحقيقي ليس مجرد صاحب منصب، بل هو من يصنع فارقًا في حياة الناس، ويترك وراءه مؤسسة أقوى وقيادات أكثر كفاءة، ومستقبلًا أفضل للأجيال القادمة.
صناعة القيادات ليست مجرد إعداد للمناصب.. إنها إعداد للأوطان للمستقبل.













