الوعى الجمعى والمصير المشترك..نحو مقاربة فلسفية لبناء الإنسان والدولة
إن الفلسفة السياسية الكبرى لم تكن يوماً ترفاً ذهنيًا بمعزل عن صيرورة الوجود الإنساني، بل هي التعبير الأعمق عن إرادة البقاء، وتحقيق المعنى في مواجهة العدمية والتفكك، وحين نتأمل المقولة الإبستمولوجية الفلسفية الكبرى القائلة بأن الوعي هو حائط الصد الأول في الحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها، فإننا نلامس الجوهر الأنطولوجي للكيان السياسي، فالدولة ليس مجرد جغرافيات مادية أو حدود مرسومة على خرائط الصراع، بل هي فكرة متعالية، وروح جمعية تتجسد في إرادة مواطنيها، وفي لحظات المنعطفات التاريخية الكبرى، يغدو الوعي الفلسفي النقدي هو البوتقة التي تفرز بين خيارين: إما الصيرورة نحو البناء والارتقاء، أو الإنزلاق في مهاوي التفكك وهدم الذات، ومن هنا تأتي هذه القراءة النقدية الفلسفية لخطاب السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لتفكيك بنية الخطاب الاستراتيجي الوطني، رابطة بين مقتضيات الوجود السياسي، وضرورة التربية الأخلاقية، والوعي الجمعي بدور الإنسان والدولة.
تتبدى في الخطاب الراهن سمة تحليلية عميقة تستوجب الوقوف عند آليات الحروب النفسية والمعنوية، التي تستهدف تدمير الأنساق القيمية والنفسية للمجتمعات، إذ إن الحروب المعاصرة لم تعد تقتصر على أدوات التدمير المادي الساطع، بل تجاوزتها إلى حروب الجيل الرابع والخامس، التي تتخذ من نشر الإحباط، ونشر اليأس، ووقف مسيرة البناء، واغتيال معنويات المسؤولين والقيادات، أدوات خفية لهدم المجتمعات من الداخل، وهنا تبرز الضرورة الفلسفية لنقد الإحباط، على طريقة الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، في تحليله لظاهرة الضغينة ورفض الحياة، حيث تسعى القوى المعادية إلى ترويض الوعي الجمعي على اليأس واستصغار الإنجازات، وعليه فإن استعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وإمتلاك رؤية واعية بطبيعة المخاطر والمؤامرات المحيطة بمصر، سواء على الجبهات الاستراتيجية أو الاقتصادية، يمثلان الفريضة الغائبة لتجاوز مراحل الإنكماش الاقتصادي والتعافي التاريخي، مثل استحضار تداعيات أزمات 2011 وما خلفته من خسائر ضخمة في عوايد قناة السويس بلغت نحو 20 مليار دولار، والتي تتطلب صبراً استراتيجياً وعملاً دؤوباً يستغرق عقداً ونصف من الزمن للإستشفاء والتعافي الكامل.
ولا يمكن لأي بناء سياسي أو اقتصادي أن يستقيم على جرف هان دون استناد إلى قاعدة صلبة من التربية والتعليم، فالمدرسة والبيت هما المختبران الحقيقيان اللذان يتشكل فيهما الضمير الجمعي للإنسان المصري، إذ إن الحفاظ على التربية القويمة ليس مجرد شعار تربوي، بل هو ضرورة أنطولوجية لحماية النواة الصلبة للمجتمع، وعليه يصبح المعلم ووعاظ الأوقاف والقساوسة خط الدفاع الروحاني والأخلاقي في نشر الوعي بخطورة هدم الدولة، وهم حجر الأساس في إعادة إنتاج الوعي الوطني، كما إن المخاطر المحيطة بمصر تفرض حتمية تطوير المنظومة التعليمية، وربطها بقيم الإنتماء والمسؤولية المجتمعية، وحين ندرك أن مصر تمتلك نحو 4500 قرية تضم نصف الشعب المصري (50%)، وتتطلب متابعة دقيقة وحرصاً على لقاء العمد والقيادات المجتمعية، فإننا ندرك أن التنمية الحقيقية تبدأ من الجذور، من قرى الريف المصري الذي يشكل الوعاء الحضاري والعمق الاستراتيجي للوطن، وهنا يتأكد دور المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في نشر الوعي المستنير بخطورة هدم الدولة، لأن هدم الكيان السياسي يعني بالضرورة ضياع الفرد وحريته وكرامته.
في فلسفة هيجل تُعتبر الدولة التجسيد الأعلى للعقل الموضوعي والأخلاق المتحققة في التاريخ، ومن هذا المنطلق فإن وعي الإنسان بدور الدولة ومسؤوليته تجاه استمرارها وبقائها هو الشرط الأساسي لكل حرية حقيقية، إذ إن الإصرار على رفض التغيير للأفضل في الفكر والوعي المجتمعي يمثل عائقاً بنيويًا أمام التقدم التاريخي، فالمجتمع الحي هو الذي يمتلك مرونة إبستمولوجية عالية، تتيح له تقييم ممارساته وتصحيح مساراته بلا خوف ولا جمود، وفي هذا السياق تبرز التوجيهات الرئاسية المتعلقة بترشيد التكاليف وتيسير الخدمات، مثل ترشيد تراخيص السيارات ومعاودة التأكيد على حسن معاملة المواطنين، وحسن استغلال موارد الدولة وترسيخ الثقة في مؤسساتها، كتطبيق عملي فلسفي للحكم الرشيد الذي يضع كرامة المواطن وحسن إدارته لموارد الوطن في صدارة الأولويات الاستراتيجية.
على صعيد الجيوسياسات الإقليمية والدولية، يرتكز الخطاب الاستراتيجي المصري على ثوابت راسخة لا حائد عنها، فمصر التي تحتل مكانة محورية ومركزية في محيطها العربي والأفريقي والدولي، مثل تصنيف الدعم والأمن والاستقرار الإقليمي، ودعم استقرار دول الخليج، وتطوير قطاع السياحة والسفر، تتعامل مع قضاياها الكبرى بحكمة بالغة وموازنة دقيقة بين القوة والدبلوماسية، إذ إن قضية المياه (أزمة السد الإثيوبي)، وتجارب عام 2011 المريرة، تؤكد أن مصر تؤثر دائماً الحلول السلمية والدبلوماسية الحكيمة، لكنها في الوقت ذاته لا تفرط أبداً في شروط وجودها وبقائها المائي والحضاري، نعم نعطي مساحة لحلول سلمية بشأن سدود إثيوبيا لكن ليس على حساب وجود مصر، وبالمثل تظل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، مع التأكيد على أنه ليس لدي مصر أجندة خفية وأن القضية تظل مركزية معنوياً، وتظل محاولات التهجير مرفوضة تماماً ولن تنتصر محاولات التهجير، وخيار مصر الاستراتيجي هو السلام، لأن خيار مصر الاستراتيجي الأبدي هو السلام العادل والشامل الذي أرساه الزعيم الراحل أنور السادات، مدعوماً بقوة وطنية حاسمة وجيش وطني قوي يحمي ولا يهدد.
وعليه فإن القراءة النقدية الفلسفية لخطاب السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما تضمنته بيانات الرؤية الوطنية تكشف عن تلاحم وثيق بين فلسفة الوجود وواقع العمل السياسي، إذ إن مصر اليوم لا تهادن في أمنها القومي، ولا تساوم على بقاء مؤسساتها، بل تُعلي من شأن الوعي، باعتباره السلاح الأبقى والدرع الأقوى في مواجهة رياح العدمية والتخريب، كما إن إيمان المجتمع بأهمية دوره المجتمعي، وتمسكه بالتربية والأخلاق، واستعداده الدائم للتغيير نحو الأفضل بروح من الثقة واليقين، هو الكفيل بعبور كافة التحديات الاستراتيجية، ليظل الوطن صامداً وشامخاً على مر العصور.

