الموجز اليوم
الموجز اليوم
الحوار من أجل الاستقرار..شباب ”إيد في إيد ” يناقش تحولات الشرق الأوسط عبد الغني العيادي يكتب: مستقبل العلاقات الأوروبية–المينية: نحو قطب ثالث؟ التونسية يسرا محنوش ومحمد شاهين..يتألقان بأعذب الألحان ونجوم الأوبرا بين مقامات الطرب ” متربى عشر مرات” أول ألبومات كرستينا كرم الغنائية جوري قطان ..تلامس حكايات الغياب بأغنيتها الجديدة «تغيب» العرض العالمي الأول للفيلم ”علشان خاطر جليلة” للمخرج يشارك في مهرجان روتردام السينمائي الدولي أحمد زعيم ..يجدد نجاحه مع أحمد سعد فى ” والله زمان” تكريم هانى رمزى وأحمد بدير ووفاء عامر..فى إفتتاح مهرجان VS-FILM بالسويس نائب رئيس حزب المؤتمر: القمة الروسية الأفريقية ترسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون والتنمية ”أدورا فارما ” تقود توطين صناعة ال Dermocosmetics فى مصر كبديل استراتيجى للمستورد مؤلفات ”بيتهوفن و” موتسارت” بقيادة أحمد عاطف.. على المسرح الكبير بالأوبرا مصطفي صلاح يكتب: وفاء عامر فى السويس..تكريم بطعم الوفاء لمدينة لاتنسى تاريخها

عبد الغني العيادي يكتب: مستقبل العلاقات الأوروبية–المينية: نحو قطب ثالث؟

 عبد الغني العيادي
عبد الغني العيادي

تأرجح النظام الدولي بين ثنائية قطبية سادت حتى سقوط جدار برلين، وأحادية قطبية رسّخت فيها الولايات المتحدة هيمنتها على القرار العالمي. واليوم، مع عودة روسيا وصعود الصين، تتشكل ملامح نظام لم تستقر توازناته بعد. وتقف أوروبا في قلب هذا التحول أمام سؤال موقعها ودورها، فيما يبحث العالم العربي الأمازيغي، بشرقه وغربه، عن موقع فاعل في معادلة تتنازعها القوى الكبرى.

وقد كشفت السنوات الأخيرة أن أوروبا، رغم انتمائها إلى المعسكر الغربي، ليست امتدادًا مطابقًا للقوة الأمريكية. فحرب أوكرانيا أظهرت هشاشة اعتمادها على الطاقة الروسية وعلى المظلة الأمنية الأمريكية، وحذّر تقرير ماريو دراغي من تراجع موقعها الصناعي والتكنولوجي.

وهي تختلف عن واشنطن في بنيتها ومرجعياتها ومصالحها، وإن عجزت حتى الآن عن تحويل هذا الاختلاف إلى قرار مستقل. وأطروحة هذا المقال أن تقاربًا استراتيجيًا بين أوروبا والعالم العربي الأمازيغي، وأقصد به المغرب الكبير والمشرق العربي، قد يشكل نواة شبكة قوة ثالثة تسهم في بناء نظام دولي متعدد المراكز.

لا يقوم هذا التقارب على العاطفة ولا على نسيان التاريخ؛ فأوروبا مسؤولة عن حقب استعمارية واستراتيجيات صدامية خلّفت جراحًا لم تندمل. لكن العلاقات الدولية لا تُبنى على الذاكرة وحدها، كما لا تستقيم بتجاهلها.

وإذا كانت السياسة تقوم على القول المأثور «لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة»، فإنني أضيف شرطًا: ألا تكون المصلحة مبررًا للظلم، بل مدخلًا إلى علاقات أكثر توازنًا.

وقاعدتي توسيع جبهة الأصدقاء للتضييق على جبهة الخصوم، ورفع كلفة إخضاع العالم العربي الأمازيغي. وهذا الخيار ليس عداءً للولايات المتحدة، بل قناعة بأن العالم يحتاج إلى تعددية قطبية أقدر على حفظ السلام.

أنطلق من مبدأ أؤمن به: القوة إما أن تكون مركّبة أو لا تكون. فهي لا تُقاس بالموارد وحدها، بل بثلاث قدرات مترابطة: التعبئة، أي جمع الموارد وتوجيهها نحو قرار موحد؛ والصمود، أي تحمّل الصدمات وكلفة الاستمرار؛ والتحويل، أي ترجمة الإمكانات إلى نتائج سياسية فعلية. فالقوة العابرة تتفوق في ظرف مواتٍ، أما المركّبة فتستمد تفوقها من تكامل هذه الأبعاد.

وقد يُعترض بأن الولايات المتحدة نفسها قوة مركّبة. وجوابي أن امتلاك عناصر القوة لا يضمن استدامة فاعليتها؛ فالاستقطاب الداخلي يضعف التعبئة، وكلفة الانتشار العسكري العالمي تضغط على الصمود، واستخدام الدولار والعقوبات والتكنولوجيا أدوات ضغط يدفع بعض القوى، وحتى بعض الحلفاء، إلى البحث عن بدائل. ولا يعني ذلك زوال فاعلية هذه الأدوات، بل إن الإفراط فيها قد يحوّل عناصر القوة إلى حوافز لإعادة توزيعها. وتلك مفارقة الترابط؛ فالعولمة جعلت الاقتصاد العالمي جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وأزمة 1929 شاهد على انتقال الاضطراب بين حلقاته.

غير أن الترابط لا يعني التكافؤ. فمن يملك البدائل والتمويل والتكنولوجيا يوجّه العلاقة، ويتحول الاعتماد لدى الأضعف إلى مدخل للابتزاز. لذلك لا يكفي أن ينخرط العالم العربي الأمازيغي في الاقتصاد العالمي؛ المطلوب اعتماد متبادل محمي، تسنده بدائل إنتاجية وتمويلية وتكنولوجية وقدرات تفاوضية ومؤسسات، كي لا تتحول الشراكة إلى تبعية جديدة.

وتبرز أوروبا طرفًا محتملًا في هذه المعادلة. فهي تملك اقتصادًا متقدمًا ومعرفة ومؤسسات وقدرة تنظيمية، ورصيدًا معياريًا قوامه الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي. لكن بين امتلاك المقومات وتوظيفها فجوة.

فارتباطها بالولايات المتحدة عبر الأسواق والتحالف الأمني والتمويل والتكنولوجيا يمنح النفوذ الأمريكي عمقًا إضافيًا، ولا يقلصه تنويع الشراكات ما لم يتحول إلى بدائل فعلية.

وهي ليست فاعلًا متجانسًا: تتباين حسابات دولها بين الأولوية الأطلسية والتجارة والطاقة وهواجس الهجرة، ويعقّد اشتراط الإجماع في الملفات الخارجية والأمنية قرارها المستقل. ومع ذلك، تربط دولًا جنوبية، كإيطاليا وإسبانيا واليونان وجنوب فرنسا، بالعالم العربي الأمازيغي روابط جغرافية وتاريخية واجتماعية، لا تصنع وحدها تحالفًا، لكنها قاعدة صالحة إذا اقترنت بالمصالح.

وللتقارب سند في محطات سياسية مفصلية. ففي حرب العراق عام 2003، عارضت فرنسا وألمانيا الحرب خارج الشرعية الدولية، فالتقى هذا التوجه مع رفض قطاعات واسعة من العالم العربي لها، وإن انقسمت المواقف الأوروبية. وفي حرب لبنان عام 2006، دعم الاتحاد الأوروبي القرار 1701 وتعزيز القوة الدولية. وفي حرب غزة، برزت تقاطعات حول وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات ورفض التهجير والحل السياسي، وإن تفاوتت المواقف الأوروبية وضوحًا وقدرة على الضغط، وكانت مصر، إلى جانب قطر، طرفًا أساسيًا في الوساطة.

وتتراكم الشراكات كذلك، من مسار برشلونة عام 1995 إلى الاتحاد من أجل المتوسط عام 2008، فالشراكتين الاستراتيجيتين مع تونس عام 2023 ومصر عام 2024. ولا أعدّ هذه المحطات دليلًا على تطابق المواقف أو اكتمال الثقة، لكنها تثبت أن التقارب ليس رغبة طارئة من طرف واحد. وما ينقصه هو تصور استراتيجي يربط تدبير الملفات المتفرقة ويحولها إلى قدرة مشتركة.

ولهذا التقارب أساس نظري أيضًا. فالليبرالية المؤسسية تفسر أدوات بناء التعاون عبر المؤسسات والقانون والاعتماد المتبادل، والبنائية تفسر دور الهوية والقيم والمعايير المشتركة في تشكيل المصالح، فيما تساعد الواقعية على فهم حدود التقارب وتناقضاته، فاعتبارات السيادة والأمن تظل حاضرة بقوة في حسابات الطرفين.

وفي المقابل، لا وجود لشريك عربي أمازيغي واحد. فالدول تختلف في أنظمتها وقدراتها وتصوراتها الأمنية: منها من يرى أن لا غنى عن الولايات المتحدة، ومنها من يتحالف معها محتفظًا بمسافة أمان، ويوسّع علاقاته بروسيا و«بريكس». وهذه الخيارات تمنح هامشًا للمناورة، لا استقلالًا بالضرورة. أما الصين، التي تعلق عليها شعوب الجنوب العالمي آمالًا، فتتحرك بحسابات مصالحها ولا تبدو مستعدة لتحمل كلفة قضايا العدالة الدولية. وفي الضفتين، تفصل بين المرجعيات المعيارية المعلنة والممارسة فجوة؛ لذلك أعدّ المعيارية رصيدًا مشتركًا محتملًا، لا حقيقة مكتملة.

فأمامنا مساران: استمرار الوضع القائم بما فيه من اختلال، أو بناء شبكة مصالح ومؤسسات يصعب تفكيكها. ولا يضمن المسار الثاني سلامًا ولا عدالة تلقائيًا، لكنه يرفع كلفة الصراع ويخلق حوافز للتسوية، كما فعلت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حين بنت السلام بالمصالح والقواعد والمؤسسات التي تطورت إلى الاتحاد الأوروبي. غير أن تلك التجربة قامت على شروط خاصة، فلا تُستنسخ؛ بل يلزم وضع قواعد ملزمة، وآليات لتسوية النزاعات، وضمان توزيع عادل للمنافع.

ويقتضي الانتقال إلى البناء ثلاث حلقات: مؤسسات مشتركة للقرار والتنفيذ، وقدرات إنتاجية وتمويلية وتكنولوجية تقلص التبعية، وتنسيق للمواقف التفاوضية تجاه القوى الأخرى. ويبدأ المسار بتحديد المصالح المتقاطعة (الطاقة، والماء، والغذاء، والصناعة، والهجرة، والبحث العلمي)، ثم بناء سلاسل إنتاج مشتركة ونقل فعلي للتكنولوجيا، فتقنين الشراكة، فاختبار صمودها تحت الضغط. وللمشروع شروط فشل: تقارب اقتصادي بلا قرار سياسي، أو شروط أوروبية تُفرض على كل دولة منفردة، أو نزاعات بينية على الماء والطاقة والأمن، أو تبعية تكنولوجية تحوّل أدوات التعاون إلى وسائل ضغط.

وهنا أميّز بين مستويين: شراكة تعزز القدرة التفاوضية للطرفين، وقطب دولي مستقل يملك أدوات القرار والتمويل والإنتاج والردع. والأول قد يكون مدخلًا إلى الثاني، لكنه لا يكفي لبنائه. وأدرك أن بعض أطروحات الواقعية البنيوية ترى في تعدد الأقطاب مصدرًا لعدم الاستقرار؛ لذلك لا أتصور قطبًا صلبًا ثالثًا، بل شبكة مرنة من الشراكات والمؤسسات توزّع القرار على مراكز متعددة وتحد من قدرة أي قوة على الانفراد به. وهذا أفق مشروط لا حتمي، لكنه ضرورة ديمقراطية عالمية؛ فالنظام الدولي، ثنائيًا كان أو أحاديًا، لم ينجح في منع الحروب وضمان الاستقرار. وفي مواجهة الواقعية الأمريكية والبراغماتية الصينية، تبرز الحاجة إلى قطب معياري بنائي يجسد الديمقراطية والتعددية والعدالة الدولية في السياسات والمؤسسات، لا في الشعارات.

إن مستقبل العلاقات الأوروبية–المينية لن يُحسم بتجاوز رواسب الماضي وحده ولا بتبادل المصالح وحده. إنه يتطلب شجاعة أوروبية للاعتراف بأن زمن الوصاية انتهى، وإرادة عربية أمازيغية للانتقال من موقع التلقي والمناورة إلى موقع المبادرة وصناعة البدائل. فالغاية ليست هيمنة جديدة ولا حليفًا يحل محل حليف، بل قدرة مشتركة تجعل الإخضاع أصعب، والتعاون أجدى، والسلام أكثر عقلانية من الصراع.

موضوعات متعلقة