(1)..
مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..استعادة الوعى فى مواجهة البلطجة والإسفاف
في لحظات التحول الإجتماعي السريع، لا تتغير فقط أنماط الحياة، بل تتغير أيضًا القيم التي تُقاس بها الأشياء. ما كان يُعد يومًا انحرافًا سلوكيًا صار عند البعض "أسلوبًا"، وما كان يُعتبر خرقًا للأدب العام أصبح يُمرر تحت مسمى "الترند" أو “الانتشار”، وبين هذا وذاك، تتسلل البلطجة والإسفاف إلى الوعي العام في صورة جذابة أحيانًا، لكنها في جوهرها تآكل صامت في بنية المجتمع الأخلاقية.
البلطجة لم تعد مجرد مشهد في شارع أو خلاف جسدي، بل تحولت إلى منظومة سلوك أوسع: بلطجة لفظية تقوم على الإهانة والتقليل من الآخرين، وبلطجة رقمية عبر التنمر والتشهير، وبلطجة اجتماعية تمارس عبر فرض الرأي بالقوة، وبلطجة إعلامية حين يتم تقديم النماذج العدوانية باعتبارها الأكثر تأثيرًا وجاذبية. ومع تراكم هذه الصور، يحدث اختلال في معيار القوة ذاته، فيصبح الصوت الأعلى بديلًا عن الفكرة، والسيطرة بديلًا عن الاحترام.
أما الإسفاف، فهو الوجه الآخر للأزمة. حين يختفي المحتوى الجاد، ويحل محله خطاب قائم على الإثارة الرخيصة أو الضحك السريع أو الاستفزاز، يصبح الوعي العام عرضة للتشويه التدريجي. لا يحدث الانحدار فجأة، بل عبر جرعات صغيرة متكررة، حتى يصبح ما كان مرفوضًا يومًا ما مقبولًا، ثم عاديًا، ثم جزءًا من المشهد اليومي.
خطورة هذا التحول لا تكمن في وجوده فقط، بل في تطبيعه. فالعقل البشري يتكيف مع التكرار، ومع الوقت يفقد قدرته على الصدمة. الإهانة التي كانت تُرفض تصبح “مزحة”، والسلوك العدواني يصبح “شخصية قوية”، والتجاوز الأخلاقي يتحول إلى مادة للترفيه. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه القبح.
لكن مواجهة هذه الظاهرة ليست مستحيلة، بل تحتاج إلى إعادة بناء شاملة للوعي تبدأ من عدة مستويات مترابطة. أولها التعليم، لأنه البيئة الأولى لتشكيل الإدراك. التعليم الحقيقي لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يزرع قيمًا واضحة مثل احترام الآخر، وتقبل الاختلاف، والقدرة على الحوار دون عنف. المدرسة يجب أن تكون مساحة لتدريب العقل على التفكير النقدي، لا مجرد مكان للحفظ والتلقين.
المستوى الثاني هو الإعلام والمحتوى الرقمي. لا يمكن ترك الساحة مفتوحة بالكامل أمام المحتوى السريع الذي يعتمد على الصدمة والجدل. المطلوب ليس المنع، بل إعادة التوازن عبر دعم المحتوى الهادف الذي يقدم معرفة أو قيمة أو تجربة إنسانية حقيقية. حين يرى الجمهور أن القيمة لها مساحة، سيتراجع تلقائيًا تأثير الإسفاف.
المستوى الثالث هو الأسرة، وهي الخط الدفاعي الأول والأهم. الطفل لا يتعلم فقط مما يُقال له، بل مما يراه يوميًا. حين ينشأ في بيئة تُقدّر الاحترام وتُدين العنف اللفظي، فإنه يكتسب هذه القيم بشكل طبيعي. أما حين يرى التهكم والسخرية والإهانة كجزء من الحياة اليومية، فإنه يتعامل معها كأمر عادي.
المستوى الرابع يتعلق بالقانون وتطبيقه. الردع هنا ليس هدفه العقاب فقط، بل حماية المجال العام من الفوضى. حين يشعر الفرد أن الإيذاء اللفظي أو الإلكتروني له تبعات حقيقية، يصبح أكثر حذرًا في سلوكه. القانون لا يصنع الأخلاق، لكنه يحميها من الانهيار.
أما المستوى الأهم فهو الوعي الفردي. لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون أن يدرك الفرد مسؤوليته في ما يستهلكه وما يعيد نشره وما يتفاعل معه. كل مشاهدة، كل مشاركة، كل إعجاب هو جزء من تشكيل السوق الثقافي. حين يختار الناس المحتوى الهادف، سيزداد عرضه، وحين ينجذبون للإسفاف، سيتوسع حضوره.
كما أن إعادة تعريف مفهوم القوة ضرورة أساسية. القوة ليست في الإيذاء أو فرض السيطرة، بل في القدرة على التحكم في النفس، وفي احترام الآخر رغم الاختلاف، وفي بناء تأثير إيجابي دون الحاجة إلى الصدام. المجتمعات المتقدمة لا تقاس بمدى صخبها، بل بمدى اتزانها.
ولا يمكن إغفال دور القدوة. الإنسان بطبيعته يبحث عن نموذج يحتذي به. فإذا غابت النماذج الإيجابية، ظهرت بدائل مشوهة. لذلك من المهم إعادة إبراز الشخصيات التي تمثل النجاح الحقيقي القائم على الجهد والعلم والأخلاق، لا على الضجيج والجدل.
إن معركة مواجهة البلطجة والإسفاف ليست معركة سلوكيات فردية فقط، بل هي معركة وعي ممتدة. تبدأ من البيت ولا تنتهي عند الإعلام، تمر عبر المدرسة والقانون والمجتمع الرقمي، لكنها في النهاية تستقر داخل الإنسان نفسه.
وفي خضم هذا كله، يبقى الأساس أن المجتمعات لا تنهض بالصدفة، ولا تُبنى على الفوضى، بل على قيم واضحة تُحترم وتُمارس. وحين يبدأ الميزان في الاختلال، لا بد من لحظة مراجعة صادقة، نعيد فيها النظر إلى ما فقدناه دون أن نشعر.
وفي النهاية، لا يبقى أمامنا إلا حقيقة بسيطة لكنها عميقة:
لا بد أن نعود إلى “ع الأصل دور”، إلى أصولنا وتقاليدنا وقيمنا، لأن فيها وحدها يكمن توازن المجتمع، ووقايته من الانحدار، وبوصلته نحو الاستقامة من جديد.

