مصطفى صلاح يكتب: مكتبة القاهرة الكبرى تستغيث.. هل يتحرك التحقيق ؟
تُمثل المؤسسات الثقافية في مصر إحدى الركائز الأساسية لحماية الهوية الوطنية، وصيانة الذاكرة الحضارية، ونشر المعرفة بين الأجيال، ومن بين هذه المؤسسات العريقة تبرز مكتبة القاهرة الكبرى بقصر الأميرة سميحة بالزمالك، باعتبارها صرحًا ثقافيًا يجمع بين القيمة التاريخية والرسالة التنويرية. ومن ثم، فإن الحفاظ على استقرار بيئة العمل داخلها ليس شأنًا إداريًا فحسب، بل ضرورة لضمان استمرار رسالتها الثقافية.
ويقوم العمل داخل المؤسسات الثقافية على مبادئ النزاهة والشفافية واحترام القانون، بما يكفل تقديم خدمة عامة تليق باسم الدولة المصرية، وفي هذا السياق، تُعد الأستاذة هايدي جمال الدين حسن، أخصائي الإعلام بالمكتبة، من الكفاءات التي حظيت بتقدير رسمي، بعدما نالت لقب الموظف المثالي بقطاع المسرح عام 2016، إلى جانب تكريمها من قيادات ثقافية سابقة، وهو ما يعكس سجلًا مهنيًا يستحق الاحترام.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت خلافات إدارية داخل مكتبة القاهرة الكبرى، تمثلت في شكوى ومذكرة رسمية تقدم بها عدد من العاملين بشأن القائم بأعمال مدير المكتبة، السيد يحيى رياض يوسف، تضمنت ما وصفوه بوجود مشكلات في بيئة العمل وآليات الإدارة وتوزيع بعض الاختصاصات، فضلًا عن وقائع قال مقدمو الشكوى إنها أثرت على سير العمل اليومي، وطالبوا بفحصها من الجهات المختصة.
وتبقى هذه الوقائع محل فحص وتحقيق من الجهات الإدارية المختصة، وهو ما يقتضي التعامل معها في إطار القانون، بعيدًا عن إصدار أحكام مسبقة، مع ضمان حق جميع الأطراف في عرض ما لديهم من مستندات أو دفوع، وصولًا إلى الحقيقة كاملة.
ولا خلاف على أن أي اضطراب في بيئة العمل داخل مؤسسة ثقافية ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الأداء والخدمات المقدمة للجمهور، كما قد يؤثر على الصورة الحضارية التي تعكسها هذه المؤسسات أمام الباحثين والزائرين المصريين والعرب والأجانب، وهو ما يجعل سرعة معالجة أي خلافات إدارية أمرًا بالغ الأهمية.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى قيادات قطاع المسرح بوزارة الثقافة، وعلى رأسهم الأستاذة نادية عبد الله، مدير عام الشؤون المالية والإدارية، للنظر في الشكوى المقدمة وإتخاذ ما يلزم من إجراءات وفقًا للقانون واللوائح المنظمة للعمل، بما يضمن تحقيق العدالة الإدارية، وصون حقوق جميع العاملين، والحفاظ على استقرار المؤسسة.
إن التحقيق الإداري الجاد ليس إدانة لأحد، كما أنه ليس مجرد إجراء شكلي، بل يمثل إحدى أهم ضمانات العدالة داخل مؤسسات الدولة، إذ يكفل التحقق من الوقائع، والاستماع إلى جميع الأطراف، وترتيب المسؤوليات إذا ثبت وجود أي مخالفات، أو حفظ الأوراق إذا ثبت خلاف ذلك.
وتستحق الكفاءات المخلصة داخل المؤسسات الثقافية أن تعمل في مناخ مهني يقوم على الاحترام والتقدير وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن أي أجواء قد تؤثر في قدرتها على أداء رسالتها، كما أن ترسيخ مبادئ الشفافية وسيادة القانون يظل الضمانة الحقيقية لاستمرار المؤسسات الثقافية في أداء دورها الوطني.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تنتهي الجهات المختصة من فحص الشكوى والمذكرة المقدمتين بما يحقق العدالة، ويحافظ على مكانة مكتبة القاهرة الكبرى، لتظل منارة للثقافة والمعرفة، وواجهة حضارية تعكس الوجه المشرق للدولة المصرية، ورسالتها الراسخة في خدمة الفكر والإبداع.















