الموجز اليوم
الموجز اليوم

”تشيكوف” ..عبقرية الواقعية بكل عصر

عندما نكتب عن عبقري القصة القصيرة والمسرح العالمي "أنطون تشيكوف" علينا أن نتحلى بأدب التواضع الجم أمام قمة من قمم الإبداع العالمي، والتى يتواكب إبداعها مع كل عصر وزمن، والذي لُقِب ب"أيقونة الأدب والمسرح الروسي" و" أبو عباقرة" كتابة القصة القصيرة.

فقد اعتمد إسلوبه على الواقعية، وإظهار العمق النفسي لشخصياته، حيث أمتلك قدرات عظيمة على الوصف الدقيق للتفاصيل -الجوهرية- بلا تطويل بعيداً عن رتابة السرد أو التكرار، كما أعتمد على إدماج القارئ بمناخ الحكي، فينقل القارئ داخل سطوره واضعاً إياه داخل الحدث، متعايشاً مع أبطاله، متعاطفاً مع شخوص رواياته، وقصصه، ومسرحياته، أيضاً من سمات كتاباته النهايات المفتوحة، وفي رأييِ أنه اعتبر من الجيد إشراك القارئ أو المتفرج في تخيل وضع الرؤية المناسبة لفكره، واعطائه مساحة حرة للمشاركة في تخيل النهايات.

عاش تشيكوف حياة قصيرة (1860- 1903م) أربعة وأربعون عاماً، لكنها ثرية زاخرة بالعطاء (حوالي سبعمائة رواية وقصة قصيرة، ومسرحيات أهمها ( النورس- العم فانيا- الأخوات الثلاث- بستان الكرز- ايقانوف) والتى أمتازت بالواقعية وحوارات بعيدة عن المباشرة، كما اهتم بالغوص في أغوار الشخصيات، فلقب أيضا ب"أبو المسرح الحديث"، ساعده على ذلك حياة مليئة بالمعاناة، فكان محتكاً بواقع طبقة الفقراء والمهمشين، عمل بالمهن الدنيا منذ صغره، متكفلاً بمصاريف دراسته، مساهماً مع أسرته في مصاريف الحياة الضرورية، إلى أن تخرج كطبيب من جامعة موسكو، وعرف عنه تعاطفه مع الفقراء، وتميزه الإبداعي منذ طفولته، عاش ومارس الحياة بواقعية وبلا رتوش حياة الأثرياء، مما ميز كتاباته ببصمة صدق ساخرة في عرضه للمآسي السوداء، وصلت للوجدان بيسر للقارئ في كل عصر ومكان، فاستحق أن يُطلق عليه لقب "أيقونة مدرسة الواقعية".

من أشهر سماته في الكتابة

أعتمد نشيكوف في كتاباته التركيز على "الواقعية النفسية" والتفاصيل الدقيقة الجوهرية بلا رتابة أو تكرار، مصطحباً القارئ لنفس المناخ العام للحدث، كاشفاً عن الصراعات الداخلية للشخصية دون مباشرة، وأعتمد على التحليل العميق للسمات الشخصية لأبطاله – وهذا ما يجعل العمل صالحاً لكل زمن ومكان، فالطبيعة البشرية والإنسانية ثابتة داخلياً ، حتى لو تغير العصر وتطورت الأحداث من حوله – ومن هنا نجح في تفاعل القارئ مع الحدث سواء سلباً أو إيجاباً بالطبع حسب المضمون والهدف.

كما تفوق في وصف الشخصيات المضطربة نفسيا وسلوكيا داخل المجتمع، سواء من خلال المسرح أو القصة والرواية، كما اشتهر بالحيادية والموضوعيةلإعطاء القارئ أو المتفرج مساحة لوضع نهايات أو الحكم على الحدث أو الشخصيات، تفرد بأسلوبه فشكل ثورة في الأدب العالمي وهو - الإيجاز والتركيز - ومن أقواله: "الإيجاز شقيق الموهبة"، والنهايات المفتوحة متروكة للقارئ نوع من المشاركة الوجدانية للكتابات، لكل تفصيلة ولو صغيرة معنى ودور في المضمون، ركز دائما على الإنسان البسيط كي يكون هو بطله الحقيقي، مستعرضاً جوانب معاناته, أتبع في المسرح منهج اشتعال الأحداث الدرامية خلف الكواليس، وعلى الشخصيات أن تقدم ردود الأفعال وعرضها على الجمهور من خلال حوارات بعيدة عن المباشرة، هو مزج بين الكوميديا والمأساة في بساطة -اللاحدث - والحركة وعمق المعنى والهدف .

ومن بعض أعماله
قصة "المغفلة" يثبت فيها ان المطالبة بالحق عن ضعف مبدأ خاسر،" توافه الحياة " وهي قصة أوضح فيها ببراعة الصدمة لمشاعر الطفل الصغير عندما يواجه الكذب وعدم المصداقية من الكبار، وهم يمثلون بالنسبة له القدوة والمثل الأعلى - قصة "تحفة فنية" تمثل البضاعه البائرة التي تلف بين الأفراد ويصادف أن ترجع لصاحبها مرة أخرى دلالة على الحظ المكسور، قصة "السعيد" خيبة أمل عريس يوم زفافه وركوبه قطار خاطىء بعيداً عن عروسه والمعازيم، وما يواجه من مفارقاتكوميدية ساخرة ومبكية في آن واحد، قصة "مغنيه الكورس" أبدع الكاتب العبقري في إظهار النفس البشرية المتدنية عندما تتلذذ فى إهانة الضعيف وإذلاله، قصة"رسالة إلى جاري العالم" تميزت بأسلوبه الساخر المتهكم على جاره الذي سكن معه منذ عام، فوصل به التعالي إلى عدم التخاطب أو إلقاء التحية على جيرانه، فقام بكتابة رسالة و تذييلها يإسمه و بوصفه الحقيقي المتواضع " كأحد النبلاء وصاحب رتبة عسكرية عالية سابقة"، قصة "البدين والنحيف" وكشف المشاعر الداخلية من الحقد والحسد بين اثنين من رفقاء الطفولة كُشِفَت عندما تقابلوا بالصدفة بعد سنوات طويلة، "وفاة موظف" وصف دقيق عن جلد الذات والرعب والخوف نتيجة لصراع مشاعرداخلية متضاربة، توضح رعب الموظف -حين يخطىء- في حق المنصب مصورا انها علاقة مريضة بين العبد والسيد أدت إلى توقف قلب الموظف رعبا من انتظار عقاب مجهول من رئيسه، كما أن من أجمل أعماله قصة "الأطفال" واصفا مشاعر الطفولة من خلال يوم وحدث عادي جدا، لكنه أبدع في المعايشة والوصف أيما إبداع.

تشيكوف كاتب يهتم بكل ما يحدث في البيئة الطبيعية والمجتمعية، يوثقها من خلال كتاباته ويضعها داخل أطر متنوعة، تصلح لكل عصر، ، لأنه يلمس مشاكل وقضايا النفس البشرية الحقيقية المتجردة من أي معطيات خارجية، فهي التي تعيش في كل عصر وكل حقبة مع اختلاف المعطيات والحداثة.

من أعماله العبقرية التى تصلح لكل عصر ومكان، وقع إختياري على القصة القصيرة "فرح" والتى تأتي بعد أكثر من قرن وربع القرن لتكون مثلاُ حياً لواقعنا اليوم في عصر السوشيال ميديا والإنترنت !! مضمونها البحث عن الشهرة أو بمعنى آخر "التريند" بلغة اليوم ، فهو كارثة العصر، التى أدت إلى خلل إجتماعي يقوم علماء النفس بتحليله الآن بالندوات، ومناقشته بأغلب المواقع التوعوية، بمعنى أن تشيكوف بما أمتلك من قدرة على دراسة النفس البشرية، تناول مرض "جنون الشهرة" في عصره من خلال بطل قصته القصيرة "فرح" وهو الشاب الصغير، الذى قضى ليلته خارج المنزل، وسط قلق أسرته، وفجأة أقتحم عليهم المنزل بعد ليلة عصيبة لا يعلمون شيء عن ابنهم، فيدخل عليهم صائحاُ فرحاٌ سعيداُ كون أن أسمه ولقب عائلته ظهرا في الصحف الصباحية في (فضيحة) انتشرت داخل المجتمع والمدينة، اشار الخبر بالقبض عليه مخمورا، متسبباُ في حادث لحوذي عربة أحد النبلاء العظام في الليلة السابقة، مما أدى إلى حبسه بالمخفر والتحقيق معه منتظرا للمحاكمة.. !!!؟ ، ومن هنا تكرر نفس النموذج اليوم بالألفينيات، من خلال ما نراه من فضائح إعلامية مقصودة وأحيانا مجهزة بوصفها (تريند) كما جاءت بقصة انطون تشيكوف "فرحة".