الموجز اليوم
الموجز اليوم

مصطفى صلاح يكتب: لا تسألني من أنا..قصة وجع تهز القلوب

لا تسألني من أنا…
فأنا لستُ اسمًا يُكتب في دفاتر الحكومة، ولا رقمًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُنسى. أنا حكايةُ رجلٍ بسيط، بدأت مثل آلاف الحكايات، وانتهت نهايةً لا تليق إلا بوجعٍ طال حتى صار قدرًا.
أنا “ماهر البيومي”…
أو ربما أنا غيره، ممن تشابهت وجوههم حتى صارت ملامحهم واحدة، ومصائرهم متقاربة، كأن الفقر حين يشتدّ، يُعيد تشكيل البشر على هيئةٍ واحدة من الحزن.

في قريةٍ هادئة من قرى دمياط، عاش رجلٌ لم يكن يملك من الدنيا إلا سعيه.. عمل سائقًا، يجوب الطرقات، يلاحق رزقه بين الزحام، يقتات من تعبه، ويعود كل مساء محمّلًا بإرهاقٍ لا يُرى. لم يكن يشكو، لأن الشكوى رفاهية لا يملكها من اعتاد الكدّ.
لكن الجسد، مهما صبر، له حدود،
كسورٌ في الساقين، عملياتٌ جراحية، شرائح ومسامير، سنواتٌ من الألم المقيم في العظام، كأن جسده صار سجنًا لروحه، ومع ذلك، لم يتوقف، ظلّ يحاول أن يعيش، لا أن يحيا.

لا تسألني من أنا…
أنا ذلك الرجل الذي يقاوم حتى وهو مكسور..حين ضاقت به السبل، لم يطلب صدقة، بل حقًا.. ذهب إلى القومسيون الطبي في غيط النصارى، يحمل أوراقه، ووجعه، وأملًا صغيرًا في أن يجد من ينصفه، كان يظن أن هناك بابًا يُفتح للمنكسرين، وأن هناك يدًا تمتدّ لتخفف عنهم ثقل الأيام.

وقف هناك طويلًا…ربما أسند جسده المتعب إلى الجدار، وربما راقب الداخلين والخارجين، وكلما مرّ الوقت، كان الأمل يتآكل ببطء. حاول أن يشرح، أن يثبت، أن يقول: “لم أعد قادرًا كما كنت”… لكن الكلمات حين تُقال في وجه الصمت تموت،الأبواب كانت مغلقة، أو هكذا بدت له،والإجراءات كانت أطول من صبره، والتعنت كان أقسى من ألمه.. عاد بخيبةٍ أكبر من التي جاء بها، كأن الطريق نفسه صار يرفضه.

لا تسألني من أنا…
أنا الذي يُطرق كل باب، فلا يُفتح له باب.
في البيت، كانت الحياة تمضي، لكن ببطءٍ موجع أيامٌ تُقاس بالقدرة على الاحتمال، لا بالفرح، احتياجاتٌ تتراكم، وجيبٌ يفرغ، ونفسٌ تضيق. لم يكن يطلب الكثير، فقط أن يعيش بكرامة، أن يجد ما يعينه على ما تبقى له من عمر،لكن الكرامة، حين تُرهق، تنكسر بصمت،وحين ينكسر الإنسان من الداخل، لا يسمع أحدٌ صوت تحطمه.

في تلك اللحظة…
لحظةٍ لا يراها أحد، ولا يشعر بثقلها سواه، قرر “ماهر” أن يتوقف. لم يعد يحتمل الانتظار، ولا الأبواب المغلقة، ولا ذلك الشعور القاسي بأنه غير مرئي، غير مسموع، غير مهم.

أنهى حياته…وكأن موته كان آخر ما يملكه، آخر قرارٍ يستطيع أن يتخذه بنفسه.

لا تسألني من أنا…
أنا “ماهر” حين تعب، وأنا كل من وصل إلى حافة اليأس ولم يجد من يمدّ له يدًا.
القصة ليست مجرد خبرٍ يُقرأ في عجالة، ثم يُطوى..هي مرآة، نرى فيها وجوهًا كثيرة، تشبهه، وتعيش ما عاشه.. رجالٌ يسيرون في الطرقات مثقلين، نساءٌ يُخفين الدموع خلف ابتساماتٍ واهنة، أطفالٌ يكبرون وهم يتعلمون الصبر قبل اللعب.
في هذا البلد، هناك من يموتون ببطء…لا يسقطون فجأة، بل يتآكلون يومًا بعد يوم، مع كل تجاهل، مع كل تأخير، مع كل بابٍ يُغلق في وجوههم.

لا تسألني من أنا…
أنا الذي صار يخاف من الغد، لأن الغد لا يحمل له وعدًا، بل عبئًا جديدًا.. أنا الذي فقد القدرة على الحلم، لأن الحلم صار رفاهية لا تليق بحاله.

رحل “ماهر”…
لكن وجعه لم يرحل.. بقي معلقًا في الهواء، في ذلك المكان الذي وقف فيه منتظرًا، في تلك اللحظة التي قرر فيها أن يختفي.. بقي في قلوب من عرفوه، وفي عيون من سمعوا قصته، وفي ضمير كل من يدرك أن ما حدث لم يكن حتميًا.
كان يمكن أن يعيش…لو وجد من يسمعه،لو فُتح له باب،لو شعر أن هناك من يراه.
لكنّه رحل…لأن الإحساس بالظلم، حين يشتد، يكون أقسى من أي ألمٍ جسدي.

لا تسألني من أنا…
واسأل فقط: كم من “ماهر” يقف الآن أمام بابٍ مغلق؟
كم من روحٍ تُستنزف في صمت، دون أن ينتبه لها أحد؟
أنا لستُ واحدًا…أنا كثيرون، أنا وجعٌ ممتد، أنا حكاية وطنٍ يتألم في صمت، وينتظر أن يسمع صوته أحد.
رحم الله “ماهر البيومي”…
وألهم أهله الصبر، وجعل من قصته جرس إنذارٍ لا يُهمل..
فبعض الناس لا يموتون لأنهم ضعفاء…بل لأنهم لم يجدوا من يخفف عنهم ثقل الحياة.