مصطفى صلاح يكتب: مصطفى رأفت رستم..الرجل الذى علمنا كيف تكون الهيبة وكيف تكون الرحمة؟
هناك رجال لا يرحلون حين يغادرون الدنيا، ولا تنتهي حكايتهم حين يُوارى الجسد التراب، لأنهم، ببساطة، لا يعيشون في الأماكن، وإنما يعيشون في القلوب، ولا يتركون وراءهم ذكريات عابرة، وإنما يتركون أثرًا يشبه النور، كلما اشتدت عتمة الحياة عاد فأنار الروح من جديد. واليوم، وبعد عشرين عامًا كاملة على رحيل معلمي وقدوتي وأستاذي الجليل مصطفى رأفت رستم، أجلس أمام أوراقي، وأشعر بعجز اللغة، وبضيق الكلمات، وبأن كل ما تعلمته من البلاغة والفصاحة لا يكفي لأكتب عن رجل لم يكن مجرد معلم مر في حياتي، وإنما كان واحدًا من أولئك البشر النادرين الذين يعبرون العمر مرة واحدة، ثم يتركون فيه أثرًا لا يزول، وجرحًا لا يلتئم، وحنينًا لا يهدأ.
عشرون عامًا مضت على رحيلك يا أستاذي، لكنني، والله، لا أشعر أنها عشرون عامًا، بل أشعر أنني ما زلت أقف في ذلك المكان القديم، وأنظر إليك كما كنت أنظر إليك وأنا تلميذ صغير، أحمل في قلبي من الاحترام والمحبة والإجلال ما لا تستطيع الكلمات أن تصفه.
لقد كنت واحدًا من تلاميذك، وهذه الحقيقة وحدها كانت، وما زالت، مصدر فخر لا يضاهيه فخر. لم أكن أراك مجرد معلم يؤدي واجبه، أو رجل يؤدي عمله، بل كنت أراك صورةً لما يجب أن يكون عليه الإنسان.. كنت أحرص دائمًا على التعلم منك، ليس لأنك تملك المعرفة وحدها، وإنما لأنك كنت تملك ما هو أندر من المعرفة، كنت تملك الحكمة، وتملك الهيبة، وتملك الإنسانية، وتملك ذلك النبل الفطري الذي لا يُكتسب، ولا يُصنع، ولا يُدرَّس، وإنما يولد مع الرجال الكبار.. كنت أراقبك كثيرًا، وربما أكثر مما كنت أستمع إليك، لأنني كنت أتعلم من صمتك كما أتعلم من حديثك، وأتعلم من وقفتك كما أتعلم من كلماتك، وأتعلم من طريقة نظرتك إلى الناس كما أتعلم من نصائحك وتوجيهاتك.
كانت لك، يا أستاذي، هيبة استثنائية، لا تشبه الهيبة التي يصنعها المنصب أو النفوذ أو السلطة، كانت هيبة الرجل الذي تصالح مع نفسه، وعرف قدرها، واحترمها، فأجبر الآخرين على احترامه دون أن يطلب منهم ذلك. كنت تدخل المكان، فيشعر الجميع أن شيئًا من الوقار قد حل فيه، وكان صوتك الهادئ أبلغ من صراخ كثيرين، وكانت نظرتك الواحدة كافية لأن تجعل الإنسان يعيد التفكير في نفسه ألف مرة. ولم يكن ذلك خوفًا منك، بل كان احترامًا خالصًا لرجل امتلك من الكرامة والاتزان ما جعله أكبر من أن يحتاج إلى إثبات ذاته أمام أحد.
لكن ما كان يدهشني أكثر من هيبتك، هو قلبك، ذلك القلب الذي لم أعرف، طوال حياتي، قلبًا يشبهه في صفائه ورحمته وطيبته، كنت قويًا، لكنك لم تكن قاسيًا، وكنت حازمًا، لكنك لم تكن جافيًا، وكنت مهيبًا، لكنك لم تكن متكبرًا، وكنت كبيرًا، لكنك لم تجعل أحدًا يشعر يومًا بصغره أمامك، كانت إنسانيتك تسبق كل شيء، وكانت رحمتك بالناس جزءًا من تكوينك، لا سلوكًا تتصنعه، ولا صفة تتباهى بها. ولهذا أحبك الجميع، ولهذا بقيت صورتك، بعد عشرين عامًا من الغياب، حية في قلوب كل من عرفوك.
أتذكر نفسي وأنا أجلس أمامك تلميذًا صغيرًا، أراقبك بعينين ممتلئتين بالإعجاب، وأتمنى، في أعماقي، أن أصبح يومًا شيئًا يشبهك، كنت أحرص على الاقتراب منك، وعلى التعلم منك، وعلى التقاط كل كلمة تقولها، لأنني كنت أشعر، بفطرة لا أعرف كيف أصفها، أن الحياة نفسها تتحدث من خلالك، وأن الرجل الذي أمامي لا يعلمني درسًا، وإنما يعلمني كيف أعيش، وكيف أحترم، وكيف أكون إنسانًا. وربما لم أكن أدرك وقتها حجم ما كنت آخذه منك، لكنني أدركته لاحقًا، حين كبرت، وحين اختبرت الناس، وحين اكتشفت أن الرجال الذين يجمعون بين الهيبة والرحمة، وبين القوة والتواضع، وبين الحكمة والإنسانية، هم أندر من أن يتكرروا.
ثم جاء ذلك اليوم الذي لا أحب أن أتذكره، ولا أستطيع أن أنساه. اليوم الذي وصل فيه خبر رحيلك. وحتى هذه اللحظة، وبعد عشرين عامًا كاملة، لا أستطيع أن أصف ما شعرت به وقتها. هناك لحظات في حياة الإنسان لا يمكن للغة أن تحتويها، لأن الألم فيها يكون أكبر من الكلمات. شعرت يومها أن شيئًا في داخلي قد انكسر، وأن جزءًا من الأمان الذي كنت أعيش فيه قد رحل إلى غير عودة. لم أبكِ كما ينبغي، ربما لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع، وربما لأن القلب، حين يتعرض لفاجعة كبيرة، يعجز في البداية عن التعبير عنها. لكنني بكيتك بعد ذلك كثيرًا، بكيتك في لحظات لم يكن أحد يراني فيها، وبكيتك كلما احتجت إلى نصيحة فلم أجدك، وكلما واجهت موقفًا تمنيت لو أنك كنت موجودًا لأسمع رأيك، وكلما رأيت الدنيا تتغير، والناس تتغير، والقيم تتغير، فأدركت كم كنا محظوظين لأننا عرفنا رجلًا مثلك.
مرت السنوات، وكبرت، وعرفت من الحياة ما عرفت، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير، هو إحساسي بأنني ما زلت تلميذك. ما زلت، حتى اليوم، أستدعي صورتك حين أبحث عن الحكمة، وأستحضر كلماتك حين أحتاج إلى الثبات، وأتذكر مواقفك حين أبحث عن معنى الاحترام الحقيقي، لقد أصبحت، دون أن أشعر، جزءًا من ضميري، وجزءًا من الطريقة التي أنظر بها إلى العالم، وجزءًا من الإنسان الذي أصبحت عليه. وأحيانًا، أجلس وحدي، فتأتي صورتك إلى ذهني دون استئذان، فأبتسم للحظة، ثم أشعر بذلك الوجع القديم يعود من جديد، فأدرك أن بعض الأحزان لا تشفى، وأن بعض الغياب لا يصبح عادة أبدًا.
واليوم، بعد عشرين عامًا من رحيلك، أكتشف أنني لم أقل لك كل ما كان ينبغي أن أقوله. لم أخبرك بما يكفي كم كنت أحبك، وكم كنت أحترمك، وكم كنت أحرص على التعلم منك، وكم كنت أراك قدوة ومثالًا وإنسانًا استثنائيًا. لم أخبرك أن وجودك في حياتي كان نعمة عظيمة، وأنني كلما تقدمت في العمر، ازددت يقينًا بأن أجمل ما منحني الله إياه هو أنني كنت يومًا تلميذًا عند الأستاذ مصطفى رأفت رستم. رحمك الله، يا أستاذي، رحمة واسعة تليق بصفاء قلبك، ونبل أخلاقك، وقوة شخصيتك، وهيبتك التي علمتنا معنى الإحترام، وإنسانيتك التي علمتنا معنى الرحمة.
رحمك الله بعد عشرين عامًا من الغياب، وما زلت، والله، حاضرًا في القلب، مقيمًا في الذاكرة، حيًا في الدعاء، وما زلت أنا، رغم كل ما مر من عمر، ذلك التلميذ الصغير الذي يقف في الصف الأول، ينظر إلى معلمه بعينين ممتلئتين بالحب والوفاء، وينتظر، في مكان بعيد من الروح، أن يسمع صوته مرة أخرى.


