مصطفى صلاح يكتب: حسين عثمان..الرجل الذى يعرف لماذا ينشر
في سوق النشر، ليس كل من امتلك دارًا للنشر أصبح ناشرًا، كما أن امتلاك المطبعة لا يصنع صاحب رسالة، وعدد الكتب التي تحمل اسم دار واحدة لا يقول وحده شيئًا عن قيمتها.. الناشر الحقيقي هو الذي يعرف لماذا اختار هذا الكتاب دون غيره، ولماذا منح هذا الكاتب فرصة، ولماذا رأى في موضوع بعينه ما يستحق أن يُقرأ ويُناقش ويُحفظ. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن النظر إلى تجربة حسين عثمان، مؤسس ومدير دار «ريشة» للنشر والتوزيع.
ما يلفتني في تجربة حسين عثمان ليس مجرد اتساع قائمة إصدارات الدار، وإنما نوعية المساحة التي اختار أن يتحرك فيها. الرجل لم يتعامل مع النشر باعتباره تجارة كتب فقط، وإنما دخل إلى مناطق تحتاج إلى عين تعرف قيمة التفاصيل، خصوصًا في الفن والسينما والسير والتوثيق، وهذه منطقة شديدة الصعوبة، لأن الكتاب الفني الجيد لا يصنعه جمع الصور ووضع أسماء المشاهير على الغلاف، وإنما تصنعه القدرة على اكتشاف ما وراء الصورة.
ولذلك فإن اهتمام «ريشة» بتوثيق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وإصدار كتب عن تجارب وأسماء فنية ليس تفصيلًا عابرًا في مسيرة الدار نحن نتحدث عن صناعة سينمائية مصرية تمتد لعقود، وعن أسماء صنعت وجدان أجيال، وعن حكايات كثيرة لا يعرفها الجمهور رغم أنه يعرف أصحابها جيدًا.
الفنان بالنسبة إلى الجمهور هو الصورة الأخيرة التي وصلت إليه، لكن الناشر يستطيع أن يعيد ترتيب الصورة من البداية. يستطيع أن يسأل: كيف بدأ هذا الفنان؟ من الذي آمن به؟ ما الذي دفعه إلى الاستمرار؟ ماذا حدث خلف الكواليس؟ كيف تغيرت تجربته؟ وماذا ترك وراءه؟ هذه الأسئلة هي التي تحول الكتاب من مادة احتفالية إلى عمل له قيمة فعلية.
وهنا أجد أن حسين عثمان اختار لنفسه دورًا مختلفًا قليلًا عن الناشر الذي يكتفي بملاحقة ما يطلبه السوق، فهناك فرق بين أن تسأل: ماذا يريد القارئ اليوم؟ وبين أن تسأل: ماذا يحتاج القارئ أن يعرف غدًا؟ السؤال الأول تجاري، أما الثاني ففيه قدر من المغامرة الثقافية.
والنشر في الأصل مغامرة.
أن تضع مالًا ووقتًا وجهدًا في كتاب لا تعرف حجم الإقبال عليه، وأن تراهن على اسم ربما لا يكون الأكثر حضورًا على مواقع التواصل، وأن تعتقد أن موضوعًا فنيًا أو ثقافيًا يستحق أن يأخذ مساحة على رف المكتبة، فهذا يعني أن الناشر لا يعمل بالأرقام وحدها.
وهذا ما يجعل تجربة «ريشة» جديرة بالمتابعة، خصوصًا مع توسع الدار إلى الرواية والأعمال الأدبية، إلى جانب الكتب الثقافية والفنية والسير الذاتية. التنوع هنا ليس مجرد رغبة في زيادة عدد الإصدارات، وإنما اختبار لقدرة الدار على التعامل مع أشكال مختلفة من الكتابة، ومع أجيال مختلفة من الكتاب والقراء.
لكن هناك جانبًا آخر في تجربة حسين عثمان أراه أكثر أهمية، وهو حديثه عن مستقبل النشر في مواجهة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
هذه القضية لا تحتمل التعامل معها بمنطق الخوف من كل جديد، ولا بمنطق الانبهار بكل جديد. الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحياة، وصناعة المحتوى تتغير بسرعة، لكن هناك سؤالًا لا يستطيع أي برنامج أن يجيب عنه بدلًا من الإنسان: من صاحب الفكرة؟ ومن كتب؟ ومن ابتكر؟ ومن يستحق أن يحصل على حقه؟
حقوق الملكية الفكرية ليست رفاهية تخص المثقفين، وإنما هي أساس استمرار صناعة الكتاب والفن والصحافة. فإذا شعر الكاتب أن عمله يمكن أن يُنسخ بلا حماية، وإذا أصبح المحتوى متاحًا للاستخدام دون ضوابط، فإن الخاسر في النهاية ليس الناشر وحده، وإنما البيئة التي تنتج الثقافة نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الناشر حاضرًا في النقاش، لا أن يظهر فقط عندما يحين موعد معرض الكتاب. فصناعة النشر تواجه أسئلة حقيقية حول القراءة، والتوزيع، وأسعار الكتب، والحقوق، والكتاب الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل العلاقة بين الكاتب والقارئ. ومن يملك تجربة في هذا المجال من حقه أن يكون جزءًا من الحوار حول مستقبله.
ولعل ما يميز حسين عثمان أيضًا أنه حاضر في المشهد الثقافي والإعلامي، ويتحدث عن المهنة ومشكلاتها، ولا يكتفي بأن تبقى دار النشر بعيدة عن النقاش العام. وهذا الحضور مهم، لأن الناشر في النهاية ليس موظفًا خلف مكتب، وإنما طرف أساسي في حركة الثقافة.
ومصر تحديدًا تحتاج إلى هذا النوع من الناشرين؛ الناشر الذي لا ينظر إلى الكتاب باعتباره عدد صفحات وسعر بيع فقط، وإنما يملك حس الاختيار. فلدينا كتّاب كثيرون، وفنانون كثيرون، وتجارب تستحق أن تُروى، لكن المسألة دائمًا فيمن يملك القدرة على التقاط التجربة المناسبة في الوقت المناسب، وتقديمها للقارئ بصورة تليق بها.
وهنا تحديدًا أرى قيمة حسين عثمان.
ليس لأنه الناشر الوحيد، ولا لأن «ريشة» هي التجربة الوحيدة في السوق، وإنما لأن مشروعه يقدم نموذجًا يستحق أن يُناقش: دار نشر تشتغل على الثقافة والفن والتوثيق، ثم تفتح أبوابها للأدب والرواية، وتحاول في الوقت نفسه أن تفهم التحولات التي تضرب صناعة الكتاب من كل جانب.
والأهم من ذلك، لا أعتقد أن نجاح الناشر يقاس فقط بعدد الكتب التي باعها، فبعض الكتب تنجح في موسم ثم تختفي، بينما يبقى كتاب آخر هادئًا في بدايته، ثم يكتشفه الناس بعد سنوات.
المقياس الأهم هو السؤال الذي يظل قائمًا بعد إغلاق الكتاب: هل كان هناك سبب حقيقي لنشره؟
وحسين عثمان يبدو منشغلًا بهذا السؤال.
وهذا في حد ذاته يجعل تجربة «ريشة» تستحق القراءة لا باعتبارها مشروعًا تجاريًا جديدًا في سوق الكتب، وإنما باعتبارها تجربة ناشر اختار أن تكون له بصمة في نوعية ما يقدمه، وفي الموضوعات التي يمنحها فرصة الوصول إلى القارئ.
فالناشر الجيد لا يملأ رفًا.
الناشر الجيد يختار ماذا يستحق أن يكون على هذا الرف.











