مصطفي صلاح يكتب : الفنان المصري ليس متهما حتى يعاد تقييمه
ثمة فارق كبير بين أن نعيد تقييم نظرة المجتمع إلى الفن، وأن نطالب بإعادة تقييم الفنانين أنفسهم، فالأولى دعوة إلى تصحيح مفاهيم اختلت، والثانية قد تبدو وكأنها تضع الفنان في قفص الإتهام، وتطالبه بإثبات براءته أو الدفاع عن مكانته، وهذا تحديدًا ما ينبغي الإنتباه إليه عند الحديث عن المبادرة المطروحة لإعادة الإعتبار إلى الفن المصري وأصحابه.
إن العنوان الصحيح لأي مبادرة تستهدف معالجة العلاقة بين المجتمع والفنانين ينبغي أن يكون «إعادة تقييم نظرة المجتمع للفن»، وليس «إعادة تقييم الفنانين»، فالفنان المصري ليس ظاهرة طارئة اكتشف المجتمع اليوم أنه بحاجة إلى مراجعتها، وليس متهمًا ينتظر حكمًا من أحد، حتى نطلق مبادرة لإعادة تقييمه. إنه جزء أصيل من تاريخ هذا الوطن وذاكرته وهويته، وأحد رموزه الثقافية التي أسهمت في تشكيل الوجدان المصري والعربي لعقود طويلة.
نحن هنا لا نعترض على المبادرة في جوهرها، بل على التعبير الذي قد يحمل معنى مغايرًا تمامًا لغايتها، فإذا كان المقصود مواجهة حملات التشويه، والتصدي للتنمر على الفنانين، ووقف التدخل السافر في حياتهم الشخصية، وإعادة التذكير بقيمة الفن باعتباره قوة ناعمة للدولة المصرية، فإن الأولى أن تتجه المراجعة إلى نظرة المجتمع للفن، لا إلى الفنانين الذين لا يحتاجون إلى لجنة تمنحهم شهادة تقدير عن تاريخ صنعوه بموهبتهم وأعمالهم.
الفنان المصري ليس متهمًا في وطنه.. من أعطى البعض الحق في التعامل مع الفنان المصري وكأنه عبء على المجتمع، أو شخص مطالب في كل مناسبة بإثبات وطنيته وقيمة ما قدمه؟ ومن قال إن تاريخ السينما والمسرح والموسيقى والدراما المصرية يمكن اختزاله في موقف فردي أو تصريح عابر أو عمل لم يحقق النجاح؟
لقد كانت السينما المصرية لعقود طويلة إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، وحملت الأغنية المصرية صوت الوطن إلى العالم العربي، وأصبح المسرح مدرسة للفكر واللغة، فيما دخلت الدراما بيوت الملايين، وعاشت شخصياتها في ذاكرة أجيال متعاقبة، فمن يستطيع أن يفصل وجدان المصريين عن يوسف وهبي ونجيب الريحاني، أو أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، أو فاتن حمامة ،وسعاد حسني، أو عادل إمام ومحمود ياسين، وعشرات الأسماء التي صنعت تاريخًا لا يحتاج إلى من يعيد تقييمه؟
هذه ليست مجاملات للفنانين، وإنما حقائق لا يجوز تجاهلها. فهؤلاء لم يصنعوا مكانتهم بقرار إداري، ولم يفرضوا حضورهم ببيانات أو حملات دعائية، بل صنعوها بالموهبة والعمل والتأثير، وبقوا في ذاكرة الناس لأن أعمالهم تجاوزت حدود الترفيه إلى تشكيل الوعي والذوق والوجدان.
النقد حق.. والتشهير جريمة في حق الفن
لا أحد يطالب بمنح الفنان حصانة ضد النقد، ولا يجوز أن يتصور صاحب الشهرة أن أعماله فوق المناقشة أو أن تصريحاته بمنأى عن المحاسبة.. من حق الجمهور أن ينتقد العمل الفني، وأن يرفضه، وأن يناقش مضمونه ومستواه، ومن حق المجتمع أن يطالب بفن يحترم عقله وقيمه.
لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول النقد إلى تشهير، وأن تصبح حياة الفنان الشخصية مباحة لكل من يريد صناعة مشاهدات أو تصدر منصات التواصل الاجتماعي.. هناك فرق بين محاسبة الفنان على عمل قدمه للجمهور، وبين مطاردته في حياته الخاصة، وبين الاختلاف معه في رأي، وبين تحويل هذا الاختلاف إلى حملة تستهدف تاريخه وكرامته.
والأكثر غرابة أن بعض الحملات تتعامل مع الفنانين باعتبارهم المسؤول الأول عن تراجع القيم واضطراب الذوق العام، وتغير سلوك الشباب، وكأن الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمنظومة الثقافية لا دور لها في بناء الإنسان، وكأن أزمات المجتمع المعقدة يمكن تعليقها على شماعة فنان أو مسلسل أو أغنية.
إن البحث عن متهم جاهز أسهل كثيرًا من مواجهة الأسباب الحقيقية للمشكلات، ومن بينها تراجع الأنشطة الثقافية، وضعف اكتشاف المواهب ورعايتها، وانحسار فرص الإنتاج الجاد، واتساع تأثير المحتوى الرقمي الذي لا يخضع في كثير من الأحيان لأي معايير مهنية أو ثقافية.
لا تعيدوا تقييم الفنانين.. راجعوا نظرتكم إلى الفن إذا كانت هناك مبادرة وطنية تستهدف الإعلاميين والمؤثرين، فالأجدر أن تبدأ بتصحيح الخطاب المتداول عن الفنانين، وأن تواجه ثقافة التنمر والتشهير، وأن تعيد التذكير بالدور الحضاري للفن المصري، وأن تضع حدًا للخلط بين النقد الفني والاعتداء على الأشخاص.
كما ينبغي أن تدعو إلى إحترام خصوصية الفنان، وألا تتحول شهرته إلى مبرر لاقتحام حياته أو محاكمته اجتماعيًا على مدار الساعة. فالفنان مواطن له حقوق وعليه واجبات، وإذا أخطأ يُنتقد وفق طبيعة خطئه، لكن لا يجوز أن تتحول أخطاء الأفراد إلى إدانة لمهنة كاملة، أو أن يصبح تاريخ الفن المصري مادة للتشكيك.
يا سادة، لا تجعلوا الدفاع عن القيم مدخلًا للنيل من قيمة الفن، ولا تجعلوا الحرص على الهوية مبررًا للاعتداء على رموزها. فالأوطان التي تحترم تاريخها لا تتنكر لمبدعيها، ولا تختزل إنجازاتهم في أخطائهم، ولا تسمح بتحويل الاختلاف إلى حملات منظمة للنيل من مكانتهم.
إن الفنان المصري ليس فوق النقد، لكنه ليس هدفًا مباحًا، والفن المصري ليس معصومًا من الأخطاء، لكنه ليس متهمًا يحتاج إلى إعادة تقييم. وإذا كان هناك ما يستحق المراجعة فعلًا، فهو تلك النظرة التي باتت ترى في الفنان خصمًا للمجتمع بدلًا من أن تراه أحد مكوناته الثقافية والإنسانية.
لذلك، فإن الاسم الصحيح للمبادرة هو «إعادة تقييم نظرة المجتمع للفن»، لأن الفنانين لا يحتاجون إلى من يعيد اكتشاف قيمتهم، وإنما يحتاج المجتمع إلى أن يتذكر ما قدموه، وأن يميز بين نقد أعمالهم والتشهير بأشخاصهم. فمصر التي تفخر بتاريخها السياسي والعسكري والحضاري، ينبغي أن تفخر أيضًا بتاريخها الفني، وأن تدرك أن قوتها الناعمة لم تأت من فراغ، بل صنعها مبدعون حملوا اسمها إلى العالم.
لا تعيدوا تقييم الفنان المصري، بل أعيدوا النظر في الطريقة التي نتعامل بها معه، فالفنان ليس متهمًا حتى يُحاكم، وليس تاريخه محل اختبار حتى يُمنح شهادة صلاحية.. إنه رمز من رموز القوة الناعمة المصرية، ومن حقه أن يُنتقد عمله، لكن ليس من حق أحد أن يهدر كرامته أو ينكر تاريخ وطن صنع الفن جزءًا أصيلًا من صورته ووجدانه.













