حمدية عبد الغنى تكتب : بعد 51 عاما على الغياب.. أم كلثوم لاتغيب
تمر واحد وخمسون عاما على رحيل سيدة الغناء العربي أم كلثوم ومع ذلك تبدو "الست" وكأنها لم تغادر المشهد يوما.. فغيابها كان جسديا فقط، أما حضورها باقى في وجدان المصريين، في بيوتهم، وفي ذاكرتهم السمعية، وفي وجدان أجيال لم تعاصر زمنها، لكنها ورثت حبها كما يورث الإنتماء.
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة ذات صوت استثنائي، بل كانت حالة وطنية وثقافية متكاملة، عبرت عن المصريين بصدق، فبادلوها حبا بحب، وولاء لا يخفت مع مرور الزمن.. لذلك لم تتحول ذكراها إلى مجرد مناسبة عابرة، بل إلى محطة يتجدد فيها العشق، ويتأكد فيها أن "الست" ليست ذكرى من الماضى، بل قيمة حية لا تزال تؤثر وتلهم.
وفي إطار احتفاء القنوات المصرية بذكرى رحيلها، أعادت الشاشة الوطنية تقديم الأعمال التى أنصفت أم كلثوم، واحترمت تاريخها ومكانتها، فقد عرضت قناة نايل دراما حلقات مجمعة من مسلسل" أم كلثوم" الذي قدمته الفنانة صابرين ،وأخرجته المخرجة الكبيرة إنعام محمد على، وهو عمل لا يزال يعد من أنجح وأصدق ما قدم عن كوكب الشرق، لما اتسم به من عمق إنساني واقتراب حقيقي من روح "الست" دون افتعال أو تشويه.
كما عرضت قناة ماسبيرو زمان فيلم "كوكب الشرق" من بطولة الفنانة فردوس عبد الحميد، ذلك العمل الذي حظى باحتفاء واسع من الجمهور، لما تميز به من صدق في الأداء وإحترام لصورة أم كلثوم، كما استقرت في الوجدان العام، ولم تكتفى القناة بذلك، بل قدمت فقرات ولقاءات نادرة من حفلات "الست"ومواقفها الوطنية والإنسانية تجاه وطنها، لتبدو أم كلثوم وكأنها تعود من جديد عبر الشاشة، بهيبتها ووقارها ودورها الذي تجاوز الفن إلى الإلتزام الوطنى.
وعلى الجانب الآخر، كشف تعامل الجمهور مع بعض المحاولات الفنية لتقديم سيرة أم كلثوم عن وعى لافت إذ رفض المصريون أى معالجة تمس صورتها أو تقدمها بشكل لا يليق بمكانتها، وهو ما حدث مع فيلم "الست"الذي قوبل برفض شعبي واسع، ولم يقتصر الأمر على الانتقادات، بل امتد إلى عزوف جماهيري واضح، أدى في النهاية إلى رفع الفيلم من دور العرض، رغم محاولات الجهة المنتجة وبعض المشاركين في العمل التأكيد على أنه عمل مشرف، بل والتطاول على الجمهور المصري! إلا أن الأيام أكدت أن هذا الجمهور كان الأصدق والأكثر وفاء، حين انتصر لرمز فني وتاريخي لا يقبل التشويه أو الاختزال.
بعد 51 عاما على الغياب، تؤكد أم كلثوم أنها لا تغيب، وأنها ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل صوت ما زال يسمع، وقيمة ما زالت تحتفى، ورمز يحرسه جمهور يعرف جيدا كيف يصون ذاكرته الفنية.
وللأسف نفتقد اليوم لمثل هذا الفن الراقي الذي يعيش ويخلد عبر الزمن، بينما يحيط بنا فنانون لا يعرفون عن الفن سوى إسمه، فتتضاءل القيم وتختفي الأصالة.
هكذا تبقى أم كلثوم… كوكب الشرق، بل كوكب العالم، حاضرة ما بقي الطرب، وبقي المصريون.













