مصطفى صلاح يكتب: الإعلام المصري بين العبث والكلمة..برنامج ”تفاصيل ” نموذج ” الفوضى على الشاشات
يشهد المشهد الإعلامي المصري اليوم حالة من الفوضى المهنية واللغوية، حيث تتحول بعض الشاشات من منابر للمعرفة والتحليل إلى مسارح للدموع المصطنعة والصراخ المبالغ فيه. برنامج "تفاصيل" مثال صارخ على هذا الانحدار، إذ يغيب فيه المحتوى الهادف، وتحل محله العاطفة المفتعلة، والمواقف المصطنعة، على حساب المهنية والمشاهد الذي يستحق إعلامًا جادًا وموضوعيًا.
ما يحدث في هذا البرنامج ليس مجرد ضعف أداء إعلامي، بل انحدار شامل في مفهوم الإعلام نفسه.. الإعلام الذي كان يجب أن يكون أداة لنقل الحقيقة وتوجيه الرأي العام بشكل موضوعي، أصبح منصة للتمثيل العاطفي الزائف، واستعراض الشخصيات على حساب المهنة، واستغلال المشاهد بدل خدمته بالمعلومة. المشاهد المصري أصبح ضحية برامج تُسوَّق له المشاعر بدل المعلومة، والعاطفة بدل الفكر، والدموع بدل العقل، في نمط أصبح متكررًا على بعض القنوات.
ولا يقتصر الضرر على المشاهد المحلي، بل يمتد ليشوه صورة مصر في الخارج، فالمشاهد الدولي الذي يتابع محتوى مثل برنامج "تفاصيل" يخرج بانطباع مغلوط: أن الإعلام المصري قائم على الصراخ والتمثيل العاطفي، وأن المهنية غائبة تمامًا..هذه الصورة المغلوطة تهدد هيبة الدولة وتضعف مصداقية إعلامها أمام العالم، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه.
من أبرز مظاهر هذا الانحدار هي ظاهرة شراء الهواء، حيث يصبح ظهور المذيع على الشاشة بوسائل مالية، بعيدًا عن المؤهلات والخبرة الفعلية، هذه الممارسة تحوّل الشاشة إلى أداة لاستعراض الشخصية فقط، بينما يغيب أي محتوى حقيقي يخدم المشاهد أو يثري معرفته.
إن الاعتماد على المال بدل الكفاءة المهنية لا يقلل فقط من مصداقية الإعلام، بل يضر أيضًا بالثقة المجتمعية في المنابر الإعلامية، ويجعل البرامج مجرد أداء تمثيلي بلا قيمة حقيقية.
هذا الانحدار يحتاج إلى تدخل عاجل وحاسم من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.. المجلس لم يُنشأ ليكون هيئة شكلية، بل ليضع معايير صارمة ويطبقها على جميع مقدمي البرامج، خصوصًا تلك التي تشوه صورة مصر داخليًا وخارجيًا.. برئاسة الوزير المهندس خالد عبد العزيز، يجب أن يكون هناك لجنة كبرى لتقييم البرامج والمذيعين، مع معايير واضحة تشمل اللغة الصحيحة، الكفاءة المهنية، مصداقية المحتوى، وأثر البرنامج على المجتمع وصورة الدولة في الخارج.
لا يمكن أن يكون الإعلام حرًا وفعالًا إذا كان مقدمو البرامج لا يعرفون نطق اللغة العربية الصحيحة، أو يرتكبون أخطاء فادحة في النحو والصرف، أو يقدمون معلومات غير دقيقة. التدريب اللغوي والإعلامي أصبح ضرورة وطنية، ليس ترفًا، بل حماية للمهنة وصونًا لصورة الدولة.
يجب إخضاع المذيعين لبرامج تدريب مكثفة، تشمل فنون الإلقاء، ومخارج الحروف، وصياغة الجملة، واختبارات دورية للتأكد من إتقان اللغة قبل أن يُسمح لهم بالظهور على الهواء.
ضعف اللغة ليس خطأ بسيطًا، بل هو خطر على الإعلام والمجتمع. الإعلام الذي يفقد أدواته يصبح منصة للفوضى: صراخ يغطي على الحجة، دموع مفتعلة تحجب الحقيقة، وعواطف مبالغ فيها تسيطر على المنطق. برنامج "تفاصيل" نموذج حي لهذا الانحدار: كل حلقة مليئة بالتمثيل العاطفي، بينما يغيب التحليل، ويخرج المشاهد بلا أي قيمة معرفية حقيقية سوى الانفعال المؤقت.
كما يجب أن يُنظر إلى المحتوى نفسه بعين ناقدة، فبعض البرامج تعتمد على إثارة الجدل بلا سبب، واستفزاز المشاهد العادي، وتسليط الضوء على تفاصيل شخصية أو حياتية عابرة دون أي قيمة إعلامية حقيقية. هذا النوع من المحتوى يضعف ثقة المشاهد في الإعلام، ويحوّل البرامج إلى أداة ترفيهية مؤذية للمجتمع، بدل أن تكون منبراً للفهم والتثقيف.
ولذلك يجب على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن يكون جهة صارمة وفعالة.
يجب إنشاء لجان مستقلة لتقييم أداء الإعلاميين، وفرض تقارير دورية على القنوات، واستبعاد أي مذيع أو برنامج لا يلتزم بالمعايير المهنية واللغوية، هذه اللجنة يجب أن تضم أساتذة لغة وإعلامًا لتقييم الأداء بشكل موضوعي، بعيدًا عن المجاملات، وضمان عودة هيبة الإعلام.
الإعلام المصري ليس مجرد صوت، بل مرآة الدولة، كل خلل في هذه المرآة ينعكس على المجتمع والصورة الخارجية للوطن.
برامج مثل "تفاصيل" تساهم في تصوير مصر بشكل سلبي، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، فتشوه الواقع وتغرس انطباعات مغلوطة لدى المشاهدين المحليين والدوليين.
الإصلاح يبدأ من اللغة والكفاءة. الكلمة الواضحة تصنع احترامها، والجملة السليمة تُقنع قبل أن تُثار العواطف.. الصوت المنضبط يفرض حضوره دون دموع أو صراخ مفتعل، بينما الخطاب المرتبك لغويًا يفقد هيبته مهما ارتفع صوته أو صُورت لحظاته المؤثرة على الشاشة.
المشاهد المصري يستحق إعلامًا محترمًا، بعيدًا عن التمثيل والارتجال، ومحتوى يحترم ذكاءه ويعزز معرفته.. من لا يملك القدرة على تقديم ذلك يجب إخضاعه للتدريب أو الرقابة قبل الظهور على الهواء.
مصر أكبر من أن تُقدَّم بلسان مكسور، وأعرق من أن تُخاطب بجمل متعثرة، وأعمق من أن تُشوَّه صورتها داخليًا وخارجيًا بسبب تراخي مهني أو لغوي. إخضاع الإعلاميين لامتحانات لغوية دورية، ووضعهم تحت رقابة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليس خيارًا إداريًا، بل ضرورة وطنية، لضمان هيبة الكلمة وكرامة المهنة وصون صورة الوطن.
الكلمة هي البداية، وهي الحد الفاصل بين الفوضى والانضباط، بين الهيبة والاستخفاف. ومن يُحسن لغته يُحسن التعبير عن وطنه، ومن يحافظ على الكلمة يحفظ هيبة الدولة، ويؤكد أن الإعلام المصري قادر على استعادة مكانته بين جماهيره وفي العالم، بعيدًا عن الدموع المصطنعة والصراخ الزائف الذي يقدمه برنامج "تفاصيل" وغيره من الأمثلة العبثية على الإعلام المصري المعاصر.




