مصطفي صلاح يكتب: الواسطى تكتب أبناءها..وباهر دويدار أحد فصولها الخالدة
في حياة الإنسان مساحات خفية لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بما يظلّ عالقًا فيها من وجوه وأصوات ورائحة أماكن قديمة. هناك، حيث تتداخل الذاكرة مع الحنين، يصبح الماضي ليس مرحلة انتهت، بل كائنًا حيًا يتحرك داخلنا كلما صادفنا اسمًا أو صورة أو فكرة تعيد فتح الأبواب المغلقة.
ومن بين تلك الأسماء التي تعود كأنها لا تغيب، يبرز اسم باهر دويدار.
باهر دويدار، ليس فقط بوصفه أحد أهم كتاب الدراما في العالم العربي، بل بوصفه ابنًا لذاكرة مكانٍ هادئ إسمه الواسطى، حيث بدأت الحكاية قبل أن تُكتب الحكايات.
في مدرسة الواسطى الإبتدائية المشتركة، كان الزمن يسير بطريقة مختلفة. لم يكن سريعًا كما هو اليوم، بل كان بطيئًا بما يكفي ليترك أثره في التفاصيل الصغيرة: مقعد خشبي يحمل خدوش الأجيال، سبورة سوداء تتراكم عليها طبقات الطباشير، ونوافذ يدخل منها الضوء كأنه يتردد قبل أن يلمس الأرض.
في هذا المشهد البسيط، كان الطفل باهر يجلس. لم يكن يلفت الانتباه بصوتٍ عالٍ أو حركة زائدة، بل بشيء أكثر عمقًا: هدوء غير عادي، ونظرة تبدو وكأنها تسأل العالم دون أن تنطق. كان من أوائل التلاميذ دائمًا، ليس بالصدفة، بل بقدرة واضحة على الفهم، وسرعة في التقاط المعنى، وكأن الدروس لا تمر عليه بل تعبر داخله مباشرة دون وسيط.
كان التفوق عنده حالة ثابتة، لا تحتاج إلى إثبات. لم يكن يرفع صوته في الفصل، لكن اسمه كان حاضرًا في كل قائمة تفوق. كان من أولئك الذين يسبقون أقرانهم بخطوة غير مرئية، وكأن الزمن نفسه يتباطأ قليلًا احترامًا لطريقته في الفهم.
وإلى جانب التفوق، كان هناك حضور آخر لا يقل تأثيرًا: جمال طفولي هادئ، غير متكلف، يشبه صفاء الماء قبل أن تمسه الريح. لم يكن جمالًا صاخبًا، بل كان جمالًا صامتًا، يمرّ دون إعلان، لكنه يبقى في الذاكرة طويلًا.
لكن المدرسة لم تكن مجرد مكان للتعلم، بل كانت عالمًا كاملًا له شخصياته التي تشكل وعي الجيل. كان هناك الأستاذ عزت نادي، مدرس التاريخ والجغرافيا، الذي كان يفتح لنا خرائط العالم كأنها أبواب على عوالم أخرى، يعلّمنا أن الأرض ليست مجرد أسماء، بل حكايات ممتدة عبر الزمن.
وكان هناك الأستاذ نصار عبد ربه، مدرس اللغة العربية، الذي كان يقف أمام الكلمة كما يقف الحارس أمام بوابة المعنى، لا يسمح لها أن تفقد هيبتها أو تنزلق إلى العادي. كان يرى في اللغة كائنًا حيًا يحتاج إلى احترام صارم.
ثم كان الأستاذ عبد العظيم مدبولي، الذي ارتبط اسمه بالصرامة التعليمية في ذلك الزمن. كان يمثل نموذج المعلم الذي يرى في الانضباط جزءًا أساسيًا من التربية. وكان العقاب البدني على ظهر اليد، الذي كان شائعًا في تلك الفترة داخل المدارس المصرية، جزءًا من النظام التربوي آنذاك قبل أن تتغير المفاهيم لاحقًا. وقد مرّ معظم التلاميذ بتلك التجربة، لحظة عابرة من الألم كانت تُفهم حينها كجزء من التعليم لا أكثر.
لكن وسط هذا المشهد الصارم، كانت هناك مفارقة صغيرة لكنها لافتة: باهر دويدار لم يكن من بين من نالهم هذا العقاب. ليس استثناءً مقصودًا، بل نتيجة طبيعية لتفوقه الدائم، وانضباطه الهادئ، وندرة أخطائه. كان دائمًا في منطقة مختلفة من الاهتمام، كأن حضوره نفسه كان كافيًا ليضعه خارج دائرة الخطأ.
مرت السنوات، وغادرت الطفولة مكانها، كما يغادر النهر مجراه القديم دون أن يفقد هويته. تفرّقت الطرق، وكلٌّ منا أخذ نصيبه من الحياة، لكن بعض الوجوه لا تغادرنا، بل تتحول إلى علامات داخل الذاكرة تشير إلى أننا كنا هنا يومًا.
ثم جاء التحول الكبير في حياة باهر دويدار، لم يكن الطريق مستقيمًا، بل كان مليئًا بالتحولات. بدأ بدراسة الطب، ذلك المجال الذي يقوم على الدقة والتشخيص والعقلانية الصارمة. كان يبدو وكأنه يسير في طريق مختلف تمامًا عن طريق الحكاية، لكن الحقيقة أن الحكاية كانت تتشكل داخله بشكل آخر.
لم يكن الطب نهاية الطريق، بل كان مرحلة من مراحل البحث عن الذات، ثم جاءت اللحظة التي اختار فيها أن ينتقل إلى عالم السيناريو والحوار، ليغادر تشريح الجسد إلى تشريح النفس الإنسانية. وهنا بدأ الفصل الحقيقي في الحكاية.
هذا التحول لم يكن بسيطًا، بل كان انعكاسًا لرغبة داخلية في فهم الإنسان من زاوية أعمق. فالطبيب يرى الجسد، لكن الكاتب يرى الروح. والطبيب يعالج الألم، بينما الكاتب يعيد صياغته في شكل حكاية تُروى.
وهنا تتجلى الموهبة الحقيقية: القدرة على العبور بين العوالم دون فقدان البوصلة الداخلية.
لقد أثبت باهر دويدار نفسه كأحد أهم كتاب الدراما في العالم العربي، من خلال أعمال تركت أثرًا واضحًا في الجمهور، وعلى رأسها مسلسل «كلبش»، الذي قدم رؤية درامية متماسكة، جمعت بين الصراع الإنساني والتوتر الدرامي وبناء الشخصيات بشكل دقيق. العمل لم يكن مجرد قصة بوليسية، بل كان قراءة عميقة للعدالة، والاختيار، والإنسان حين يواجه مصيره.
وقد حظي العمل بإشادة واسعة، باعتباره نموذجًا لكتابة درامية واعية، تعتمد على بناء محكم للشخصيات وتطور منطقي للأحداث، وهو ما عزز مكانة كاتبه كأحد الأسماء البارزة في صناعة الدراما الحديثة.
لكن خلف هذا النجاح، تبقى البدايات حاضرة. طفل في فصل بسيط بالواسطى، يتفوق بصمت، يراقب العالم دون ضجيج، ويحمل في داخله شيئًا لا يُرى لكنه يتراكم مع الزمن.
وهكذا، حين ننظر إلى هذه الرحلة كاملة، ندرك أن الحكايات الكبرى لا تولد فجأة، بل تُزرع في أماكن صغيرة، في فصول ابتدائية، في مدن هادئة، في أطفال يبدون عاديين لكنهم في الحقيقة كانوا يكتبون مستقبلهم دون أن يعرفوا.
إن سيرة باهر دويدار ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي شهادة على أن البدايات البسيطة قد تخفي في داخلها مسارات طويلة من الإبداع، وأن الطفولة ليست مرحلة عابرة، بل هي النص الأول الذي تُكتب عليه كل الفصول التالية من الحياة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تتركه هذه الذاكرة مفتوحًا: كم من طفل يجلس الآن في فصل بسيط، يحمل بداخله حكاية لم تُكتب بعد؟.


