الموجز اليوم
الموجز اليوم
مصطفى صلاح يكتب: الدراما بين فوضى السوق وضرورة استعادة الانضباط رابطة الأندية تكتسح التريند فى مصر والعالم العربي بعد الإعلان عن أكبر رعاية فى تاريخ الدورى طارق نجارة..يرد بشكوى رسمية بنقابة الموسقيين ضد ”ليجى سى” الشاعر رمضان محمد.. يعيش حالة نشاط فنى حمدى عاشور..يكشف كواليس ”أحلام ع الحدود” فى ” من ماسبيرو ” ويؤكد: نحارب الفكر بالفكر د. محمد جمال الدين يكتب: فلسفة منهجية البحث العلمي بين الصرامة الإبستمولوجية والعقم السفسطائى عمرو دياب..يتصدر التريند ويدعم المنتخب بأغنية ”انت تقدر ” ”بنسيون دلال” على يانجو 11 يونيو هيفاء وهبي..بحفل غنائي بعمان بعد النجاح الكبير لأغنية ” شو المطلوب” برنامج ”اللعيب في كأس العالم” مع مُهيب عبد الهادي يُقدم مُتابعات يومية لكأس العالم سميحة المناسترلى عن ”الذكاء الاصطناعي ”: عصر وأد الإبداع البشرى محمد طعيمة يحصل على امتياز عن رسالة دكتوراه حول تأثير المسرح على القيم الثقافية

مصطفى صلاح يكتب: الدراما بين فوضى السوق وضرورة استعادة الانضباط

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة الإعلام والترفيه، تبرز بين الحين والآخر أصوات تمتلك من الخبرة والرؤية ما يجعلها قادرة على تشخيص الواقع بدقة، واقتراح مسارات أكثر أمانًا للمستقبل، ومن بين هذه الأصوات يأتي المنتج جمال العدل، الذي طرح مؤخرًا مجموعة من الآراء المهمة حول واقع الدراما المصرية، ومستقبل الإنتاج الفني، وتأثير الفوضى التي أصابت السوق خلال السنوات الأخيرة.

والحقيقة أن المتابع المنصف للمشهد الدرامي لا يمكنه إلا أن يتفق مع جانب كبير مما طرحه العدل، ليس فقط لأنه أحد أبرز صناع الدراما في مصر والعالم العربي، وإنما لأن الوقائع على الأرض تؤكد صحة كثير من الملاحظات التي تحدث عنها.
فصناعة الدراما ليست مجرد كاميرا وممثلين ونصوص تُكتب على عجل، بل هي منظومة متكاملة تحتاج إلى التخطيط والاستقرار والرؤية الواضحة. وعندما يفقد السوق انضباطه، تصبح النتيجة الطبيعية هي تراجع الجودة، وارتفاع التكاليف، وضياع الفرص أمام الأعمال الجادة التي تستحق الوصول إلى الجمهور.
خلال العقود الماضية، كانت الدراما المصرية تمثل القوة الناعمة الأهم في المنطقة العربية. كانت الأعمال المصرية حاضرة في كل بيت عربي، وتحمل معها صورة المجتمع المصري وثقافته وقيمه وتاريخه. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل جاء نتيجة وجود صناعة منظمة تعرف كيف تدير مواهبها، وكيف تستثمر في النصوص الجيدة، وكيف تمنح المبدعين الوقت الكافي لإنتاج أعمال تبقى في الذاكرة.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات كبيرة فرضتها التكنولوجيا الحديثة وصعود المنصات الرقمية العالمية، وهو أمر لا يمكن تجاهله أو مقاومته. فالمنصات أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الترفيه، وغيّرت قواعد اللعبة بالكامل. ولم يعد النجاح مرتبطًا فقط بنسبة المشاهدة التقليدية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بامتلاك المحتوى وقدرة المؤسسات على بناء مكتبات إنتاجية خاصة بها.
ومن هنا تبدو رؤية جمال العدل منطقية للغاية عندما يؤكد أن المنافسة الحقيقية أصبحت تدور حول "المحتوى"، فالمحتوى اليوم هو الثروة الجديدة، وهو الأصل الذي يضمن الاستمرار والتأثير والنمو. ولذلك فإن سعي شركات الإنتاج إلى امتلاك أعمالها والحفاظ على حقوقها الفكرية لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العصر.
كما أن الحديث عن ارتفاع تكاليف الإنتاج ليس مجرد شكوى عابرة، بل هو توصيف دقيق لواقع يواجهه الجميع. فإنتاج عمل درامي كبير أصبح يتطلب ميزانيات ضخمة، بينما تتزايد المخاطر المالية بصورة غير مسبوقة. ومع تأخر التعاقدات أحيانًا واقتراب مواعيد العرض، يجد صناع الدراما أنفسهم أمام سباق مع الزمن، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستوى بعض الأعمال.
ومن المعروف أن الجودة لا تولد تحت الضغط. فالنص الجيد يحتاج إلى وقت، والتحضير يحتاج إلى وقت، والتنفيذ يحتاج إلى وقت. وعندما تصبح السرعة هي الهدف الأول، تتراجع الجودة تلقائيًا مهما بلغت قدرات العاملين في المشروع.

ولعل ما يميز موقف جمال العدل أنه لا يدعو إلى الانسحاب من المشهد أو التوقف عن الإنتاج، بل يطالب بعودة الانضباط إلى السوق. وهي دعوة تبدو في غاية الأهمية إذا كانت هناك رغبة حقيقية في استعادة بريق الدراما المصرية ومكانتها التاريخية. فالسوق المنظم يحقق مصلحة الجميع؛ المنتج والمبدع والممثل والجمهور على حد سواء.
وفي جانب آخر من حديثه، لفت العدل الانتباه إلى قضية لا تقل أهمية، وهي خطورة الشائعات والحملات الإلكترونية المنظمة. فالعالم الرقمي منح الجميع فرصة التعبير، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المفبركة التي يمكن أن تسيء إلى الأفراد والمؤسسات في لحظات معدودة.
ولهذا فإن التأكيد على أن مصر أكبر من اللجان الإلكترونية ليس مجرد تصريح عابر، بل رسالة ضرورية في زمن أصبحت فيه الشائعة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق. فالمجتمعات القوية لا تُبنى على الأكاذيب، وإنما على الحقائق والوعي والمسؤولية.
كما أن موقفه الداعم لحرية الإبداع يستحق التوقف عنده، فالفن الحقيقي لا يقدم صورة مثالية مصطنعة للمجتمع، بل يعكس الواقع بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات وتناقضات ، وعندما يتحول كل عمل فني إلى ساحة اتهامات أو محاكمات أخلاقية، تصبح البيئة الإبداعية أكثر ضيقًا، ويتراجع هامش الحرية الذي تحتاجه أي صناعة فنية لكي تتطور.

إن الدفاع عن الإبداع لا يعني الدفاع عن الأخطاء، وإنما يعني الإيمان بأن الفن يجب أن يُناقش ويُقيَّم وفق معايير فنية وفكرية، لا من خلال حملات الهجوم المسبق أو الأحكام الجاهزة.
في النهاية، تبدو تصريحات جمال العدل بمثابة دعوة لإعادة النظر في كثير من المسلمات التي تحكم المشهد الدرامي الحالي.. دعوة إلى سوق أكثر تنظيمًا، وإنتاج أكثر جودة، ومحتوى أكثر قيمة، وبيئة أكثر احترامًا للإبداع. وهي أهداف لا تخص شركة إنتاج بعينها أو صانعًا بعينه، بل تمثل مصلحة لصناعة كاملة كانت وما زالت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
فالدراما المصرية لا ينقصها الموهوبون، ولا تفتقر إلى الخبرات، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مستقرة ومنضبطة تسمح لهذه الطاقات بأن تقدم أفضل ما لديها. وعندما يتحقق ذلك، ستعود الدراما المصرية إلى مكانها الطبيعي، ليس فقط كوسيلة للترفيه، وإنما كقوة ثقافية وحضارية تعبر عن مصر وتستحق اسمها وتاريخها.