مصطفى صلاح يكتب: إعلام تحت النار..صناعة الجدل بدل الوعى
هناك لحظة دقيقة وخطيرة في أي مجتمع، لا تأتي بصوت مرتفع ولا تُعلن عن نفسها، لكنها تتسلل بهدوء إلى العقول: حين يتحول الإعلام من مساحة لشرح الواقع إلى مساحة لصناعة الجدل حوله.. عند هذه النقطة لا يعود السؤال متعلقًا بما يُقال فقط، بل بكيفية قوله، ولماذا قيل، وما الذي يُراد من خلفه.
ما نراه اليوم في بعض البرامج والمنصات لا يمكن اعتباره مجرد تنوع في الأساليب أو إختلاف في طرق التقديم، بل هو انتقال واضح نحو منطق جديد يحكم المشهد: منطق “الترند أولًا” في هذا المنطق تصبح القيمة ليست في الفكرة نفسها، بل في قدرتها على إثارة أكبر قدر من الضجيج في أقل وقت ممكن، وهكذا يُختزل المحتوى في رد فعل سريع، لا في أثر عميق.
قضية يمكن أن تُناقش بهدوء وببساطة تتحول فجأة إلى عاصفة كاملة، عناوين مشحونة، مقاطع مجتزأة، تفسيرات متناقضة، وجمهور يُدفع دفعًا إلى الانقسام بين مؤيد ومعارض، ومع الوقت، يصبح النقاش نفسه هو الهدف، لا الفهم، ويختفي السؤال الأهم: ماذا استفدنا من كل هذا؟
المشكلة لا تكمن في وجود الجدل، فالجدل جزء طبيعي من الحياة العامة، لكنه يصبح خطيرًا حين يتحول إلى صناعة مستقلة. حين لا يكون نتيجة طبيعية لاختلاف الآراء، بل منتجًا يتم تصميمه بعناية ليخلق صدامًا بين الناس. عندها يتحول الإعلام من مساحة تفسير إلى مساحة استنزاف.
في كثير من الحالات، لا تكون القضايا المطروحة بهذا الحجم من الأهمية، لكنها تُقدَّم وكأنها مفصلية يتم تضخيم التفاصيل الصغيرة، وإعادة تدوير اللحظات، وصناعة حالة من التوتر العام حول موضوع لا يستحق في الأصل كل هذا الانتباه، ومع كل ذلك، يُدفع الجمهور إلى التفاعل كأنه أمام قضية مصيرية، بينما هو في الحقيقة داخل دائرة من الانفعال المتكرر.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: الجمهور لا يعود يستهلك الفكرة، بل يستهلك الانفعال، لا يبحث عن المعنى، بل عن الموقف السريع: مع أو ضد. أبيض أو أسود. وكأن الحياة لم تعد تحتمل أي مساحة رمادية، رغم أن الحقيقة غالبًا تعيش في تلك المساحة تحديدًا
مع الوقت، يتحول هذا النمط إلى عادة. تصبح البرامج التي تعتمد على الجدل هي الأكثر حضورًا، وتصبح الموضوعات الأكثر استفزازًا هي الأكثر تداولًا. ليس لأنها الأهم، بل لأنها الأسرع وصولًا، وهكذا يتشكل معيار جديد للنجاح الإعلامي: ليس الفائدة، بل الانتشار.
في الخلفية، يتغير وعي الجمهور دون أن يشعر. يبدأ في التعود على الإيقاع السريع، وعلى الصدام اللفظي، وعلى تحويل كل فكرة إلى معركة. يصبح الهدوء مملًا، والتحليل العميق ثقيلًا، والنقاش المتزن غير جذاب، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي محتوى إعلامي: حين تتغير ذائقة المتلقي نفسه.
ولا يمكن فصل ذلك عن طريقة اختيار الموضوعات كثير من المحتوى يتم بناؤه على سؤال واحد فقط: هل سيصنع تفاعلًا؟ لا: هل سيضيف قيمة؟ ولا: هل سيشرح قضية مهمة؟ بل فقط: هل سيشعل النقاش؟ هذا التحول البسيط في السؤال يؤدي إلى نتائج ضخمة في طبيعة ما يُعرض على الناس.
في بعض الأحيان، يتحول الضيف نفسه إلى جزء من “السيناريو”، لا باعتباره طرفًا في نقاش حقيقي، بل عنصرًا داخل خطة لإثارة الجدل. يتم دفع الحوار إلى مناطق توتر محسوبة، ويتم التركيز على لحظات الانفعال أكثر من لحظات الفهم. وهكذا يفقد الحوار معناه، ويصبح أقرب إلى عرض انفعالي منه إلى نقاش إعلامي.
الأثر لا يتوقف عند حدود الشاشة.. ما يحدث داخل الإعلام ينعكس خارجها بشكل مباشر الجمهور الذي يتعرض لهذا النمط من المحتوى بشكل متكرر يبدأ في نقل نفس الأسلوب إلى حياته اليومية: سرعة في الحكم، حدة في الرد، استعداد دائم للصدام. ومع الوقت، تتآكل القدرة على الاستماع الهادئ أو قبول الاختلاف.
المفارقة أن كل هذا يحدث بينما تُسجل الأرقام ارتفاعًا: مشاهدات أكثر، تفاعل أكبر، انتشار أوسع، لكن هذه الأرقام لا تجيب عن السؤال الحقيقي: هل أصبح الناس أكثر فهمًا؟ أم أكثر انقسامًا؟ هل زادت معرفتهم؟ أم زاد توترهم فقط؟
الأخطر من ذلك أن الثقة في الإعلام نفسه تبدأ في التآكل. عندما يشعر الجمهور أن كثيرًا مما يُقدَّم له قائم على الإثارة وليس على القيمة، يبدأ في التشكيك في كل شيء، حتى في المحتوى الجاد. وبهذا يخسر الإعلام أهم ما يملكه: المصداقية.
المسؤولية هنا ليست فردية بالكامل، بل هي شبكة متداخلة: المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية في اختيار المحتوى وطريقة عرضه، وصناع المحتوى يتحملون مسؤولية في إدراك أثر ما يقدمونه، والجمهور يتحمل مسؤولية في عدم الانجرار الكامل وراء كل موجة ضجيج لأن التفاعل غير الواعي جزء من المشكلة وليس مجرد رد فعل عليها.
ما يحتاجه المشهد اليوم ليس إيقاف النقاش، بل إعادة تعريفه. النقاش الحقيقي ليس صدامًا، بل محاولة للفهم. ليس معركة، بل مساحة لتبادل وجهات النظر. الإعلام القوي ليس الذي يرفع الصوت، بل الذي يفتح العقول.
وحين يعود هذا الفهم إلى مكانه الطبيعي، يمكن أن يبدأ الجدل في التراجع خطوة، ويعود للمحتوى شيء من توازنه، ويستعيد الجمهور قدرته على التمييز بين ما يُقال ليُفهم، وما يُقال فقط ليُستهلك في لحظة ثم يختفي أثره.

