مصطفى صلاح يكتب: أمل لطفى ..سيرة إمرأة اختارت أن يكون العلم طريقها إلى القيادة
ليست كل السِيَر الأكاديمية مجرد درجات علمية ومناصب تتعاقب على الورق، فهناك سِيَر تكشف، حين نقرأها بهدوء، عن رحلة إنسان اختار أن يبني مكانته خطوة بعد أخرى، وأن يجعل من العلم مشروعًا ممتدًا لا شهادة معلقة على جدار، وفي هذا السياق تبدو مسيرة الدكتورة أمل لطفي حسن جاب الله، عميد كلية الحقوق بجامعة حلوان، جديرة بالتأمل، لأنها تحمل ملامح رحلة طويلة من الاجتهاد والتخصص والعمل الجامعي، إنتهت إلى موقع قيادي لم يكن منفصلًا عن الطريق الذي سبق الوصول إليه.
في فبراير 2022، صدر القرار الجمهوري بتعيين الدكتورة أمل لطفي حسن جاب الله عميدًا لكلية الحقوق بجامعة حلوان، وكان القرار بداية فصل جديد في مسيرتها، لكنه لم يكن بداية الحكاية؛ فالحكاية الحقيقية بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، يوم اختارت القانون مجالًا لدراستها، ثم واصلت طريقها في التعليم والتخصص حتى أصبحت واحدة من الوجوه الأكاديمية البارزة في مجال القانون العام.
بدأت رحلتها العلمية من جامعة القاهرة، حيث حصلت على ليسانس الحقوق عام 1991 بتقدير جيد جدًا. وبعدها لم تكتفِ بما حصلت عليه من معرفة، وإنما واصلت دراستها العليا، فنالت دبلوم القانون العام عام 1993 بتقدير جيد جدًا، ثم دبلوم العلوم الإدارية عام 1994 بالتقدير نفسه.
كان واضحًا منذ البداية أن اختيار القانون لم يكن عابرًا، وأن الدراسة بالنسبة إليها لم تكن محطة للحصول على مؤهل، بل طريقًا يتسع كلما تقدمت فيه، وفي عام 1995 التحقت بكلية الحقوق بجامعة حلوان، لتبدأ داخل الجامعة رحلة أكاديمية امتدت لسنوات طويلة، وتدرجت خلالها في مواقع مختلفة، واكتسبت خبرات لم تأتِ دفعة واحدة، وإنما تشكلت من العمل اليومي ومعرفة تفاصيل المؤسسة الجامعية من الداخل.
ثم جاءت فرنسا محطة أخرى في هذه الرحلة فقد أوفدت في بعثة دراسية لمدة عامين بنظام الإشراف المشترك لتحضير رسالة الدكتوراه، قبل أن تحصل على الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، وكانت تلك المرحلة إضافة نوعية إلى تكوينها العلمي، إذ أتاحت لها الاحتكاك بتجربة أكاديمية مختلفة، وأكملت بناء شخصية الباحثة التي لا تتوقف عند حدود المعرفة المتاحة، بل تبحث دائمًا عن أفق أوسع.
وبالعودة إلى جامعة حلوان، أخذت مسيرتها الأكاديمية والإدارية في الاتساع ففي عام 2014 شغلت منصب أستاذ مساعد بقسم القانون العام، وفي العام نفسه تولت منصب وكيل كلية الحقوق لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، واستمرت في هذا الموقع حتى عام 2016.
ثم جاءت عام 2017 واحدة من المحطات المهمة في مسيرتها، عندما تولت رئاسة قسم القانون العام بكلية الحقوق، وهنا لم تعد مسؤوليتها مرتبطة بدورها الأكاديمي فحسب، وإنما أصبحت مطالبة بإدارة قسم له خصوصيته العلمية، ومتابعة شؤونه، والتعامل مع تفاصيل العمل الجامعي بما يتطلبه من دقة واتزان وقدرة على إتخاذ القرار.
ولأن الخبرة القانونية لا تُختبر فقط في قاعة المحاضرة، شاركت الدكتورة أمل لطفي حسن في أعمال قانونية داخل الجامعة، فكانت عضوًا قانونيًا بمجلس تأديب معاوني أعضاء هيئة التدريس عام 2017 لمدة عام، ثم عضوًا قانونيًا بمجلس تأديب العاملين من غير أعضاء هيئة التدريس لمدة عامين اعتبارًا من عام 2018، وهي مسؤوليات تضع المعرفة القانونية أمام اختبار عملي، وتحتاج إلى فهم النص وروحه، وإلى قدر من الموضوعية والحكمة في التعامل مع الملفات التي تمس الحياة الوظيفية داخل المؤسسة.
وامتدت تجربتها خارج الإطار الجامعي التقليدي إلى مجال التدريب والتأهيل فقد عملت منسقًا بين جامعة حلوان وكلية العلوم والإدارة من خلال بروتوكول لمنح درجة الماجستير في القانون العام لقضاة المحاكم العسكرية لمدة ثلاث سنوات بدءًا من عام 2017، كما شاركت في تدريب شباب التأهيل الرئاسي بكلية العلوم والإدارة العسكرية لمدة ثلاث سنوات اعتبارًا من عام 2016.
وشملت خبرتها كذلك إعداد دورات لتأهيل القادة لشغل المناصب القيادية، وبرامج تدريبية لضباط القوات المسلحة المؤهلين لتولي مناصب في الإدارة المحلية، إلى جانب تدريب موظفي وزارة التخطيط على قانون الخدمة المدنية، وهي تجربة تعكس جانبًا مهمًا في شخصية الأكاديمي الذي يؤمن بأن المعرفة القانونية لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب، وإنما يجب أن تجد طريقها إلى الممارسة.
وفي السنوات الأخيرة، ظهر اهتمامها بالقضايا التي تفرضها التحولات الجديدة على القانون. فقد قادت وشاركت في مؤتمرات علمية بكلية الحقوق تناولت موضوعات معاصرة، من بينها الأطر القانونية للأمن السيبراني واستخدام الذكاء الاصطناعي،
وليس اختيار هذه الموضوعات تفصيلًا هامشيًا؛ فالجامعة التي تكتفي بتدريس قانون الأمس قد تفقد قدرتها على الإجابة عن أسئلة الغد، أما مناقشة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني من زاوية قانونية، فهي تعني إدراك أن التكنولوجيا لم تعد شأنًا تقنيًا منفصلًا عن القانون، بل أصبحت تفرض عليه أسئلة جديدة حول المسؤولية والخصوصية والحقوق والواجبات وحدود الاستخدام.
من هنا تبدو تجربة الدكتورة أمل لطفي جاب الله أكثر من مجرد تسلسل وظيفي.. إنها مسيرة امرأة اختارت العلم منذ البداية، ثم تركت للسنوات أن تضيف إلى علمها خبرة، وإلى خبرتها مسؤولية، وإلى المسؤولية رؤية أوسع.
واليوم، وهي تقود كلية الحقوق بجامعة حلوان، تحمل معها حصيلة سنوات من الدراسة والتخصص والعمل والتدريب والإدارة. لكنها تحمل أيضًا مسؤولية أكبر؛ فكلية الحقوق ليست مجرد مؤسسة تمنح شهادات، وإنما مكان تتشكل فيه عقول ستتعامل يومًا مع القانون والعدالة والإدارة والمجتمع.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن الوصول لم يأتِ قفزة واحدة، بل جاء عبر طريق طويل من العمل الهادئ من ليسانس الحقوق في جامعة القاهرة، إلى الدراسات العليا، ثم البعثة والدكتوراه، ومن أستاذ مساعد إلى وكيلة للكلية، فرئيسة لقسم القانون العام، وصولًا إلى عمادة كلية الحقوق بجامعة حلوان.
إنها سيرة تقول، من دون حاجة إلى كثير من العبارات المنمقة، إن القيادة الأكاديمية الحقيقية تبدأ قبل المنصب بسنوات؛ تبدأ حين يقرر الإنسان أن يتعلم، ثم يظل يتعلم، وأن يحوّل ما تعلمه إلى عمل، وما اكتسبه من خبرة إلى مسؤولية، وأن يترك في المكان الذي يعمل فيه أثرًا يليق بكل السنوات التي قضاها في الطريق.
وهكذا تصبح عمادة الدكتورة أمل لطفي جاب الله فصلًا جديدًا في قصة لم تُكتب بالمسميات، وإنما كُتبت بالعلم والعمل والصبر والتدرج، وهي عناصر حين تجتمع في مسيرة أكاديمية، يصبح المنصب نتيجة منطقية للطريق، لا غايته الأخيرة.











