(7)..
مصطفى صلاح يكتب :ع الأصل دور..الفن الذى يبنى والفن الذى يهدم
ظل الفن عبر العصور أكثر من مجرد وسيلة للمتعة أو الترفيه، إذ لعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الإنساني والتعبير عن أحلام المجتمعات وقيمها وتطلعاتها.
فالأغنية، والمسرحية، والرواية، والفيلم السينمائي، ليست مجرد أعمال تُستهلك ثم تُنسى، بل رسائل ثقافية تترك أثرها في العقول والوجدان، وتسهم في رسم صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم من حوله، ولهذا كان الفن دائمًا أحد أهم أدوات التأثير في المجتمعات، لأنه يخاطب المشاعر قبل أن يخاطب العقل، ويتسلل إلى الوعي دون ضجيج أو شعارات مباشرة.
وعلى امتداد التاريخ، لعب الفن أدوارًا كبرى في دعم قيم الحرية والعدالة والانتماء والجمال.. كثير من الأعمال الفنية لم تكن مجرد حكايات ممتعة، بل تحولت إلى علامات فارقة في وجدان الشعوب، لأنها ناقشت قضايا الإنسان الحقيقية، وطرحت أسئلة عميقة حول الحياة والمجتمع والهوية. ولهذا بقيت بعض الأعمال خالدة رغم مرور عشرات السنين عليها، لأنها ارتبطت بقيم إنسانية لا تفقد أهميتها بمرور الزمن.
لكن الوجه الآخر للفن لا يقل تأثيرًا عن وجهه المضيء. فكما يستطيع الفن أن يبني الوعي، يستطيع أيضًا أن يساهم في هدمه إذا فقد رسالته وتحول إلى مجرد وسيلة للإثارة أو الربح السريع. فالفن ليس محايدًا بالكامل، لأنه يشارك في تشكيل الذوق العام وصناعة النماذج التي يتأثر بها الناس، خاصة الأجيال الجديدة التي ما زالت في مرحلة تكوين أفكارها وقناعاتها.
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت أعمال فنية كثيرة اعتمدت على الصخب والمبالغة والعنف باعتبارها عناصر أساسية لجذب الجمهور. وأصبح المشاهد يرى شخصيات تحقق النفوذ والاحترام من خلال القوة والبطش وتجاوز القانون، بينما تتراجع قيمة الحوار والعقل والالتزام. ومع تكرار هذه الصور، يبدأ المتلقي في التعود عليها، وقد تتحول تدريجيًا إلى جزء من تصوراته عن القوة والنجاح والهيبة.
المشكلة ليست في أن الفن يعرض نماذج سلبية أو شخصيات منحرفة، فالحياة نفسها مليئة بهذه النماذج، والفن الحقيقي لا يمكن أن يتجاهل الواقع. لكن الفارق يكمن في الطريقة التي تُقدم بها هذه الشخصيات. فهناك فرق كبير بين عمل فني يكشف مخاطر العنف ويُظهر نتائجه المدمرة، وبين عمل آخر يجعل العنف يبدو وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف أو طريقًا مختصرًا إلى النجاح. في الحالة الأولى يكون الفن أداة وعي، أما في الحالة الثانية فإنه يصبح وسيلة لتطبيع السلوك الخاطئ وإضفاء قدر من الجاذبية عليه.
وتزداد خطورة هذا الأمر حين يتعلق بالشباب والمراهقين، لأنهم الأكثر قابلية للتأثر بالنماذج التي يشاهدونها. فالشاب الذي يتابع باستمرار أعمالًا تربط بين القوة والعدوانية، أو بين النفوذ وتجاوز القواعد، قد يكوّن بمرور الوقت صورة مشوشة عن القيم الحقيقية التي يقوم عليها المجتمع. وهنا لا يحدث التأثير بشكل مباشر أو فوري، بل يتراكم ببطء داخل الوعي حتى يصبح جزءًا من طريقة التفكير والنظر إلى الأمور.
كما أن بعض الأعمال الفنية وقعت في فخ تسطيح القضايا المعقدة وتقديم حلول مبسطة لمشكلات تحتاج إلى فهم أعمق. فأصبحت الشخصيات تُصنف بشكل حاد بين خير مطلق وشر مطلق، وتُختزل الأزمات الاجتماعية والإنسانية في مشاهد سريعة تخلو من التحليل أو الفهم الحقيقي. وهذا النوع من المعالجة لا يساعد على بناء الوعي، بل يرسخ التفكير السطحي ويجعل المتلقي أقل قدرة على رؤية التفاصيل والتعقيدات التي تحكم الواقع.
ولا يمكن إغفال تأثير المنصات الرقمية في هذا المشهد. فمع تصاعد المنافسة على جذب الانتباه، أصبحت بعض الأعمال تسعى إلى تحقيق الانتشار بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة الفنية أو الرسالة الثقافية. وأصبح معيار النجاح لدى البعض هو عدد المشاهدات والتفاعلات فقط، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة بالمضمون والأثر والرسالة. وهكذا وجد الفن الجاد نفسه في مواجهة تحدٍ كبير يتمثل في الحفاظ على قيمته داخل بيئة تفضل السرعة والإثارة على العمق والتأمل.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فما زالت هناك أعمال فنية جادة تثبت أن النجاح الجماهيري لا يتعارض مع القيمة، وأن الجمهور قادر على التفاعل مع الأعمال العميقة عندما تُقدم بصورة جذابة ومحترفة. كما أن التاريخ يؤكد أن الأعمال التي تعتمد على الضجيج وحده تحقق نجاحًا مؤقتًا، بينما تبقى الأعمال التي تمتلك مضمونًا حقيقيًا حاضرة في الذاكرة لسنوات طويلة.
إن الحاجة اليوم ليست إلى فرض الوصاية على الفن أو تقييد حرية الإبداع، بل إلى استعادة التوازن بين المتعة والمسؤولية، وبين الجاذبية والقيمة. فالفن القادر على بناء الإنسان ليس بالضرورة فنًا مباشرًا أو وعظيًا، بل هو الفن الذي يحترم عقل الجمهور، ويقدم نماذج إنسانية حقيقية، ويفتح أبواب التفكير بدلًا من إغلاقها، ويمنح المتلقي فرصة للتأمل لا مجرد الاستهلاك السريع.
وفي النهاية، يبقى الفن أحد أكثر القوى تأثيرًا في تشكيل المجتمعات، لأنه لا يكتفي بعكس الواقع، بل يشارك في صياغته أيضًا. وحين يكون الفن منحازًا للجمال والوعي والقيم الإنسانية، فإنه يساهم في بناء أجيال أكثر فهمًا وقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. أما حين يتحول إلى مجرد أداة للضجيج والإثارة، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من رسالته ودوره الحقيقي.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الأصل. فـ"ع الأصل دور" ليست مجرد عبارة تحمل حنينًا إلى الماضي، بل دعوة إلى استعادة المعايير التي جعلت للفن قيمة ورسالة وتأثيرًا إيجابيًا، فالأصل في الفن أن يضيف إلى الإنسان لا أن ينتقص منه، وأن يرفع الذوق العام لا أن يهبط به، وأن يكون جسرًا نحو الوعي لا طريقًا إلى التسطيح، وعندما يستعيد الفن هذا الدور، فإنه لا يبني عملًا ناجحًا فقط، بل يساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتوازنًا وإنسانية.







