الموجز اليوم
الموجز اليوم

( 6)..

مصطفى صلاح يكتب : ع الأصل دور..السوشيال ميديا وصناعة الإنسان الفارغ

لم تعد وسائل التواصل الإجتماعي مجرد أدوات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قوة هائلة تؤثر في طريقة تفكير الإنسان، وتعيد تشكيل اهتماماته وعلاقاته وحتى صورته عن نفسه، ومع هذا التحول الكبير، ظهر نموذج جديد من البشر يبدو حاضرا في كل مكان، لكنه في الحقيقة يفتقد الكثير من العمق الداخلي.. إنسان يمتلك آلاف المتابعين، ويقضي ساعات طويلة في التفاعل والنشر والمشاهدة، لكنه يعاني فراغًا فكريًا ونفسيًا متزايدًا، ولهذا يمكن وصفه بأنه "الإنسان الفارغ"، ليس لأنه لا يعرف شيئًا، بل لأنه يعيش وسط كم هائل من المعلومات والضجيج دون أن يمتلك فهمًا حقيقيًا أو رؤية واضحة.

في الماضي، كان الإنسان يكتسب معارفه بشكل تدريجي عبر القراءة والتجربة والحوار والتأمل، أما اليوم، فقد أصبح يتلقى مئات الرسائل والصور والمقاطع المصورة يوميًا، وعلى الرغم من أن هذا التدفق المستمر للمعلومات يبدو وكأنه ثراء معرفي، فإنه في كثير من الأحيان لا ينتج معرفة حقيقية، بل يخلق شعورًا زائفًا بالامتلاء، فليس كل من شاهد مئات المقاطع أصبح مثقفًا، وليس كل من تصفح آلاف المنشورات أمتلك فهمًا أعمق للحياة.

المشكلة أن السوشيال ميديا لا تكافئ دائمًا الفكرة الأعمق أو المحتوى الأكثر فائدة، بل تكافئ ما يجذب الإنتباه بسرعة، ولذلك أصبح كثير من صناع المحتوى يركزون على الإثارة والجدل والمبالغة أكثر من التركيز على القيمة الحقيقية، ومع الوقت، إنتقل هذا المنطق إلى المستخدم نفسه، فأصبح يقيس نجاحه بعدد الإعجابات والمشاهدات والتفاعلات، لا بما يملكه من معرفة أو مهارات أو إنجازات حقيقية.

وهنا يبدأ التحول الخطير، فالإنسان لم يعد يسأل نفسه: ماذا أريد أن أتعلم؟ أو كيف أطور نفسي؟ بل أصبح يسأل: كيف ألفت الانتباه؟ وكيف أحصل على مزيد من التفاعل؟ وكيف أظهر بصورة أفضل أمام الآخرين؟ ومع استمرار هذا السلوك، تتحول الشخصية تدريجيًا إلى مشروع عرض مستمر، ويصبح الاهتمام بالشكل أكبر من الاهتمام بالمضمون.

ومن أخطر نتائج هذه الحالة تآكل الهوية الحقيقية للفرد. فالكثير من الناس يقدمون عبر المنصات الرقمية نسخة منتقاة بعناية من حياتهم، نسخة مليئة بالنجاحات واللحظات السعيدة والصور المثالية. ومع الوقت، يبدأ الشخص نفسه في التعلق بهذه الصورة أكثر من تعلقه بحقيقته الواقعية. وقد يصل الأمر إلى حالة من الارتباك الداخلي، حيث يصبح الإنسان منشغلًا بكيف يراه الآخرون أكثر من اهتمامه بمن يكون فعلًا.

كما ساهمت السوشيال ميديا في صناعة ثقافة التشتت المستمر، فالعقل ينتقل كل دقيقة من موضوع إلى آخر، ومن فيديو إلى صورة، ومن خبر إلى تعليق.. هذا التدفق المتواصل يجعل التركيز العميق أكثر صعوبة، ويضعف قدرة الإنسان على الصبر والتأمل. ولهذا أصبح كثير من الشباب يجدون صعوبة في قراءة كتاب أو متابعة نقاش طويل أو التفكير في قضية معقدة، لأن عقولهم اعتادت الإيقاع السريع والمحتوى القصير.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل تمتد إلى ظاهرة المقارنة المستمرة، فالمستخدم يرى يوميًا عشرات الصور لحياة تبدو مثالية: أشخاص يسافرون، وآخرون يحققون نجاحات، وغيرهم يعيشون لحظات سعيدة ومبهرة. ومع تكرار هذه المشاهد، يبدأ البعض في مقارنة حياته الواقعية بهذه الصور المنتقاة، فيشعر بالنقص أو الفشل أو عدم الرضا، رغم أن ما يراه ليس الحياة الكاملة، بل جزءًا صغيرًا ومختارًا منها بعناية.
ومن النتائج الخطيرة أيضًا أن الذوق العام نفسه بدأ يتغير. فالمحتوى العميق الذي يحتاج إلى تفكير أصبح أقل جاذبية لدى كثيرين، بينما ازداد الإقبال على المحتوى السريع والخفيف. شيئًا فشيئًا، تراجعت مساحة القراءة والتأمل والتحليل، لصالح المشاهدة السريعة وردود الفعل اللحظية. وهكذا يتحول الإنسان من باحث عن المعرفة إلى مستهلك دائم للمحتوى، ومن منتج للأفكار إلى متلقٍ سلبي لما يُعرض عليه.
لكن من الظلم تحميل السوشيال ميديا وحدها المسؤولية. فهي في النهاية أداة، ويمكن استخدامها بطرق إيجابية أو سلبية. فقد أتاحت فرصًا كبيرة للتعلم والتواصل ونشر المعرفة وبناء المشروعات وتبادل الخبرات. المشكلة لا تكمن في وجودها، بل في طريقة التعامل معها. فعندما تتحول من وسيلة تخدم الإنسان إلى قوة تتحكم في وقته وانتباهه وأفكاره، تبدأ آثارها السلبية في الظهور.
ولهذا فإن الحل لا يكون في الهروب الكامل من هذه المنصات أو إعلان الحرب عليها، بل في بناء علاقة أكثر وعيًا معها. يحتاج الإنسان إلى أن يكون مستخدمًا لا مستخدمًا به، وأن يختار ما يتابعه بدل أن يترك الخوارزميات تختار له. كما يحتاج إلى استعادة عادات أساسية فقدها مع الزمن، مثل القراءة، والتفكير الهادئ، والحوار الحقيقي، والقدرة على التركيز لفترات أطول.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين الإنسان ورغبته في الحفاظ على وعيه وسط هذا السيل المتدفق من المؤثرات. فالتكنولوجيا ستستمر في التطور، والمنصات ستزداد تأثيرًا، لكن يبقى السؤال: هل سنستخدمها لبناء عقولنا أم سنسمح لها بإفراغها من المعنى؟
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس نقص المعلومات، بل فقدان العمق. فالإنسان الفارغ ليس شخصًا لا يعرف شيئًا، بل شخص يعرف الكثير من الأشياء المتناثرة دون أن يمتلك رؤية حقيقية أو فهمًا متماسكًا. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الأصل، لأن "ع الأصل دور" ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة للعودة إلى الجوهر، إلى الوعي والمعرفة والتفكير العميق، وإلى الإنسان الذي يصنع المعنى بدل أن يكتفي بمشاهدة الصور العابرة في عالم امتلأ بالضجيج وافتقر إلى الحقيقة.