(10)..
مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور..الثقافة ليست رفاهية
في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية، يكثر الحديث عن الأولويات، وغالبًا ما تُوضع الثقافة في ذيل القائمة، وكأنها نشاط إضافي يمكن تأجيله إلى حين تحسن الظروف.. البعض يتعامل مع الثقافة باعتبارها رفاهية تخص النخبة أو هواية يمارسها من يملك وقتًا فائضًا، بينما ينشغل الآخرون بما هو أكثر أهمية وإلحاحًا، لكن هذا التصور يحمل قدرًا كبيرًا من الخطأ، لأن الثقافة ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها وعي المجتمع واستقراره وقدرته على مواجهة التحديات.
عندما نتحدث عن الثقافة، لا نقصد فقط قراءة الكتب أو حضور الندوات والمعارض الفنية، بل نقصد منظومة كاملة من القيم والمعارف والسلوكيات التي تشكل طريقة تفكير الإنسان ورؤيته للحياة.. الثقافة هي التي تحدد كيف يتعامل الفرد مع الاختلاف، وكيف يفهم مجتمعه، وكيف يقرأ الأحداث من حوله، وكيف يتخذ قراراته، ولذلك فإن الثقافة لا تعيش في المكتبات وحدها، بل تظهر في الشارع، وفي المدرسة، وفي البيت، وفي طريقة الحديث، وفي أسلوب النقاش، وفي شكل العلاقة بين الناس.
المجتمعات القوية لم تبنِ نهضتها على الاقتصاد وحده، ولم تحقق تقدمها من خلال المشروعات الكبرى فقط، بل اعتمدت قبل ذلك على بناء الإنسان القادر على الفهم والتحليل والتفكير النقدي، فالمال يمكن أن يبني المصانع والطرق، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني عقلًا واعيًا أو مواطنًا مسؤولًا. ومن هنا تأتي أهمية الثقافة باعتبارها الأداة التي تصنع الإنسان القادر على حماية منجزات المجتمع وتطويرها،
وحين تتراجع الثقافة، لا يبقى الفراغ فارغًا كما يظن البعض، فالعقول التي لا تجد معرفة جادة تتجه غالبًا إلى المعرفة السطحية، والأفكار التي لا تواجهها أفكار أقوى تترك المجال للشائعات والخرافات والتفسيرات السهلة، ولهذا نلاحظ أن المجتمعات التي يضعف فيها الإهتمام بالثقافة تصبح أكثر عرضة لانتشار المعلومات المضللة والأحكام المتسرعة والتعصب الفكري، فالثقافة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي حصانة عقلية تحمي الإنسان من الوقوع فريسة للتضليل.
ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين التعليم والثقافة، فالتعليم يمنح الإنسان شهادة أو تخصصًا أو مهارة مهنية، أما الثقافة فتعطيه القدرة على فهم الحياة بصورة أوسع. قد يحمل شخص أعلى المؤهلات العلمية، لكنه يفتقر إلى القدرة على الحوار أو تقبل الرأي الآخر أو فهم التغيرات الاجتماعية من حوله. وقد تجد شخصًا بسيطًا في تعليمه، لكنه يمتلك ثقافة واسعة تجعله أكثر وعيًا واتزانًا في مواقفه وأحكامه. لذلك فالثقافة ليست مرتبطة بعدد الشهادات، بل بطريقة التفكير والنظر إلى العالم.
كما تلعب الثقافة دورًا مهمًا في حماية المجتمع من العنف والتطرف. فالإنسان الذي يمتلك وعيًا ثقافيًا يكون أكثر قدرة على فهم الاختلاف واحترام التنوع، وأقل ميلًا إلى التعصب والانغلاق. الثقافة تعلم الإنسان أن الحقيقة ليست دائمًا أحادية، وأن النقاش أفضل من الصدام، وأن الحوار أكثر فاعلية من الإقصاء. ولهذا كانت الثقافة عبر التاريخ أحد أهم أدوات بناء التماسك الاجتماعي وتعزيز الاستقرار.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الثقافة المعاصرة. فهذه الوسائل أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات لدى ملايين الناس. لكن المشكلة أن طبيعة العصر الرقمي دفعت نحو السرعة والاختصار، فأصبحت المعرفة تُستهلك في صورة مقاطع قصيرة وعناوين سريعة ومنشورات مختصرة. ورغم أهمية هذه الوسائل في نشر المعلومات، فإنها لا يمكن أن تكون بديلًا كاملًا عن الثقافة العميقة التي تحتاج إلى قراءة وتأمل ومراجعة وفهم.
ومع انتشار ثقافة السرعة، بدأ كثير من الناس يكتفون بمعرفة سطحية عن القضايا والأحداث، وهو ما أدى إلى تراجع القدرة على التحليل والتفكير المتأني. فأصبح البعض يصدر أحكامه بناءً على عنوان أو مقطع فيديو لا يتجاوز دقائق معدودة، دون محاولة البحث أو التحقق أو الاطلاع على الصورة الكاملة. وهنا تظهر الحاجة الملحة إلى الثقافة باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن إلى العقل في زمن يغلب عليه التسرع والانفعال.
كما أن الثقافة تؤثر بشكل مباشر في الذوق العام. فالمجتمع الذي يقرأ ويهتم بالفنون الراقية ويحترم الفكر والإبداع، يكون أكثر قدرة على إنتاج نماذج إيجابية في السلوك والتعامل. أما حين تتراجع الثقافة، فإن السطحية تجد طريقها بسهولة إلى المشهد العام، ويصبح من الصعب التمييز بين القيمة الحقيقية والضجيج المؤقت.
ولكي تستعيد الثقافة مكانتها، لا بد أن تتحمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية مسؤولياتها. فالأسرة هي المكان الأول الذي يكتسب فيه الطفل عاداته الفكرية، والمدرسة يجب أن تكون مساحة لاكتشاف المعرفة لا مجرد مكان للحفظ والتلقين، والإعلام مطالب بتقديم محتوى يحترم عقل الجمهور، كما أن المؤسسات الثقافية مطالبة بالوصول إلى الناس في حياتهم اليومية بدل الاكتفاء بالنشاط التقليدي المحدود.
إن بناء الإنسان الواعي لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمباني والمشروعات. فكل مشروع تنموي يحتاج إلى عقل يفهمه ويحافظ عليه ويطوره. والثقافة هي التي تمنح هذا العقل أدواته الأساسية. ولهذا فإن النظر إليها باعتبارها رفاهية هو في الحقيقة تقليل من قيمتها الحقيقية ودورها العميق في صناعة المستقبل.
في النهاية، الثقافة ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها حين تضيق الظروف، بل هي ضرورة تحمي العقل من الفوضى، والوعي من التزييف، والمجتمع من الانجراف خلف السطحية والجهل. فكل أمة فقدت علاقتها بالمعرفة دفعت الثمن تراجعًا في الوعي والسلوك والقدرة على صناعة المستقبل.
ويبقى الأصل دائمًا واضحًا: لا تُبنى المجتمعات بالقوة المادية وحدها، بل بالعقول التي تفكر، والضمائر التي تدرك، والوعي الذي يميز بين الحقيقة والوهم، وحين نعيد للثقافة مكانتها، وللكتاب قيمته، وللفكر احترامه، ندرك المعنى الحقيقي لعبارة "ع الأصل دور"، أي العودة إلى الجذور التي صنعت إنسانًا يعرف أن المعرفة ليست رفاهية، بل أساس كل نهضة حقيقية.

