الموجز اليوم
الموجز اليوم

(8)..

مصطفى صلاح يكتب: ع الأصل دور.. حين أصبح الجهل خفيف الظل

الجهل في كثير من السياقات الحديثة لم يعد مجرد حالة نقص معرفي يمكن تداركه بالتعلم أو البحث، بل تحول تدريجيًا إلى شيء خفيف، سريع الانتشار، قابل للضحك، وأحيانًا يُستهلك كنوع من الترفيه، وهنا تكمن المفارقة العميقة: ما كان يُعد في السابق مصدرًا للإحراج أو علامة على غياب الفهم، أصبح اليوم جزءًا من المحتوى اليومي الذي يتداوله الناس دون توقف، وكأنه أمر عابر لا يستحق التوقف عنده.

المقصود بالجهل هنا لا يقتصر على غياب المعلومات، بل يمتد إلى غياب الفهم الحقيقي، وتسطح التفكير، والاكتفاء بالانطباعات السريعة بدل البحث أو التحليل أو التأمل. هذا النوع من الجهل لا يظهر فجأة، بل يتشكل عبر تراكم طويل من أنماط الحياة السريعة، وتغير طبيعة المعرفة، وطريقة استهلاك المحتوى في العصر الرقمي.

كان هناك وقت تُعامل فيه المعرفة باعتبارها قيمة أساسية، ويُنظر إلى السؤال باعتباره بداية حقيقية للفهم. أما اليوم، فقد أصبح البعض يرى أن التعمق في التفاصيل نوع من المبالغة، وأن التفكير العميق عبء غير ضروري، وأن الأسهل دائمًا هو الأفضل..هذا التحول جاء مع إيقاع حياة سريع جعل كل شيء مختصرًا ومكثفًا، حتى الأفكار نفسها، ومعه بدأ الميل نحو السطحية دون إدراك تدريجي لما يحدث.

أحد أخطر مظاهر هذا التحول هو تحويل المعلومات المغلوطة أو غير الدقيقة إلى مادة للضحك والتداول، فقد يتحول خطأ بسيط في معلومة تاريخية أو علمية أو لغوية إلى نكتة منتشرة، ويتم التعامل معه باعتباره شيئًا مسليًا بدل أن يكون فرصة للتصحيح والتعلم، ومع الوقت يتكرر هذا النمط حتى يصبح الخطأ مألوفًا، بل ومقبولًا أحيانًا طالما أنه يثير التفاعل أو الضحك، وهنا يبدأ الانزلاق الحقيقي، حين يصبح الترفيه أهم من الحقيقة.

وفي السياق نفسه، ظهرت ثقافة غير مباشرة مفادها أن الدقة ليست ضرورية دائمًا، وأن الأهم هو المشاركة والحضور ، وهكذا أصبح البعض يشارك في النقاشات دون معرفة كافية، ويعطي آراء في كل القضايا دون أساس معرفي واضح، معتبرًا أن غياب التخصص لا يمنعه من إبداء الرأي. لكن الحرية في التعبير لا تنفصل عن المسؤولية الفكرية، وإلا تحولت إلى فوضى معرفية تخلط بين الرأي والمعلومة.
ومع صعود المنصات الرقمية، ترسخ هذا النمط بشكل أكبر، فالمحتوى الذي ينتشر بسرعة هو غالبًا الأسهل والأقصر والأكثر إثارة أو غرابة، وليس بالضرورة الأكثر دقة أو عمقًا. ومع الوقت يبدأ العقل في التكيف مع هذا الإيقاع السريع، فيفقد قدرته على التحمل أمام المحتوى الطويل أو المعقد، ويصبح أقل صبرًا على الأفكار التي تحتاج إلى شرح أو تحليل. وهكذا يتغير الذوق العام تدريجيًا دون أن يشعر به أحد، ويُستبدل العمق بالسرعة.

الخطر الأكبر لا يكمن في وجود الجهل، بل في اعتياده.. فعندما يرى الإنسان أن المعلومات غير الدقيقة منتشرة، وأن الآراء العشوائية مقبولة، وأن السخرية من المعرفة أمر طبيعي، يبدأ تدريجيًا في تقليل قيمة المعرفة نفسها. وفي هذه المرحلة لا يعود الجهل مجرد مشكلة فردية، بل يصبح جزءًا من المشهد العام للحياة اليومية وسلوكًا غير مستنكر.
ومع هذا التحول، تتراجع مكانة المعرفة وأصحاب التخصص. فلم يعد العالم أو الباحث أو المتخصص يحظى دائمًا بنفس التقدير الذي كان يتمتع به سابقًا، بل أصبح رأيه أحيانًا يُقابل برأي عابر أو انطباع شخصي لا يستند إلى أي أساس علمي، وهذا يؤدي إلى خلل واضح في ميزان المعرفة داخل المجتمع، حيث تختلط الخبرة بالانطباع، والمعلومة بالافتراض، ويتراجع معيار “من يعرف” لصالح “من يتكلم أكثر”.
ورغم أن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، فإن البيئة المحيطة تلعب دورًا أساسيًا في تكوين هذا الواقع، فهناك نظام تعليمي يركز على الحفظ أكثر من الفهم، وإعلام يميل إلى الإثارة أكثر من التعمق، ومحتوى رقمي سريع يفضل الخفة على الدقة، وكلها عوامل جعلت السطحية خيارًا أسهل من العمق وأكثر انتشارًا وقبولًا.
ومع استمرار هذا المسار، تتحول السطحية إلى نمط عام، يصبح من الصعب معه التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، أو بين الرأي المدروس والانطباع السريع، أو بين الخبير ومن يدّعي المعرفة، وهذا الارتباك لا يؤثر فقط على النقاشات اليومية، بل يمتد إلى طريقة إدراك الواقع نفسه وتفسيره.

لكن رغم هذا المشهد، فإن إعادة الاعتبار للمعرفة ما زالت ممكنة، ليست المسألة في جعل المعرفة معقدة أو نخبوية، بل في تقديمها بشكل بسيط دون فقدان عمقها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع السؤال بدل الاكتفاء بالإجابات الجاهزة، ودعم المحتوى الجاد، وإعادة الاعتبار للتخصص والخبرة، وتدريب العقل على التفكير النقدي بدل التلقي السريع.

في النهاية، الجهل حين يكون صامتًا يمكن التعامل معه، لكن حين يتحول إلى شيء خفيف الظل، محبوب، ومقبول اجتماعيًا، يصبح التحدي أكبر بكثير، لأن المشكلة هنا لا تتعلق بنقص المعرفة فقط، بل بفقدان الرغبة في البحث عنها من الأساس،
ويبقى الأصل دائمًا واضحًا: المعرفة قد لا تكون أسرع طريق للترفيه، لكنها الطريق الوحيد لفهم العالم كما هو، لا كما يبدو على السطح.

وحين يعود الإنسان إلى إدراك قيمة الفهم الحقيقي، ويستعيد إحترام السؤال قبل الإجابة، ويضع حدودًا فاصلة بين الضحك والمعرفة، ندرك عندها فقط معنى أن “ع الأصل دور” أي العودة إلى الجذور الأولى التي تحفظ للوعي توازنه، وللعقل هيبته، وللكلمة قيمتها، بعيدًا عن ضجيج الخفة الذي يلتهم المعنى يومًا بعد يوم.