د. محمد جمال الدين يكتب: فلسفة منهجية البحث العلمي بين الصرامة الإبستمولوجية والعقم السفسطائى
إن الوعي الإنساني في تفاعله مع الوجود لا يستقيم صرحه إلا عبر قنوات منظمة تُخرجه من عشوائية الإنطباع إلى رحابة العلم اليقيني، ويمثل البحث العلمي المرتكز الأساسي الذي تتأسس عليه نهضة المجتمعات، وتتحقق من خلاله تراكمية المعرفة الإنسانية التي تثري شتى المجالات، ولا سيما المجال الإعلامي الذي لا يتوقف عند حدود النتائج الكمية، بل يتعداها لبناء النظريات وتطوير الممارسات، ولما كانت المؤسسات الجامعية هي المحضن الأساسي لتخريج الكوادر الأكاديمية المؤهلة، فإن تدريس مناهج البحث يتجاوز كونه ترفاً فكرياً، ليصبح ضرورة وجودية تهدف إلى تمكين الدارس من استيعاب المفاهيم وصياغة الفروض، وإكتساب ملكة النقد والتحليل للمخرجات العلمية وربطها بمشكلات المجتمع المعاصر.
بيد أن هذا الصرح المعرفي الشامخ يظل مهدداً بالتهاوي والإنحراف ما لم يرتكز على دعامة رئيسية، وهي حتمية التحديد الصارم والتعريف الدقيق لكل مفهوم من المفاهيم والركائز البحثية، إذ إن غياب التعريفات المانعة الجامعة لكل نقطة علمية يفتح الباب على مصراعيه لإلتباس المصطلحات وإختلاط المفاهيم، حيث تذوب الفوارق الجوهرية بين المنهج والأسلوب، أو بين النظرية والقانون، مما يوقع العقل الأكاديمي في شباك العقم المعرفي والجدل السفسطائي، ومن هنا تبرز ضرورة وضع فواصل مفهومية حاسمة تضمن للمشتغلين بالبحث العلمي لغة موحدة ورؤية جلية لا تشوبها ضبابية التداخل.
يتجاوز البحث في معناه اللغوي العام مجرد محاولة العثور على شيء ما، إذ إنه في جوهره محاولة هادفة، وحين تقترن هذه المحاولة بصفة "العلمية"، فإننا ننتقل إلى مرحلة التعامل المنظم مع المعرفة بهدف إكتشاف حقائق جديدة، أو التثبت من وقائع قائمة، ورصد العلاقات التي تحكم المتغيرات، وعليه يمكن تعريف البحث العلمي بأنه تقص دقيق وفحص عميق وتطوير للمعلومات، وعرضها بشكل مكتمل وفق أصول المنهج وقواعده، وقد صاغ الفكر الفلسفي المبكر للبحث العلمي مجموعة من الخصائص والمحددات التي لا غنى عنها لضبط حركته، وهي: الموضوعية وتتجلى في تجرد الباحث التام من الإنحياز، والإمتناع عن إصدار الأحكام والآراء دون الإستناد إلى أدلة علمية قاطعة، والدقة وتتمثل في الإلتزام الصارم بالحقائق الكاملة دون تحريف أو إجتزاء في حدود البحث، والنزاهة وهي الإمتثال الكامل للمقاييس الأخلاقية والضوابط البحثية المتعارف عليها، بغض النظر عن طبيعة النتائج المتوصل إليها، علاوة على إمكانية الإثبات أو التحقق، حيث يتأسس البحث العلمي على حقائق ملموسة خاضعة للدراسة، مبتعداً تماماً عن الأمور الميتافيزيقية الغيبية التي يستعصي إخضاعها للتجريب والقياس، بالإضافة إلى إمكانية التنبؤ وهي القدرة على إستشراف المستقبل والتنبؤ بالظواهر إستناداً إلى المخرجات، مما يدفع بالبحث العلمي نحو التفاعل مع الواقع ويؤكد أصالته، مع ضرورة ضبط كفاءة المتغيرات وتتمثل في المقدرة على التحكم بالعوامل المؤثرة في الظاهرة لعزلها ورصدها بدقة، علاوة على التطور المستمر، فالبحث العلمي كائن ديناميكي يتطور في موضوعاته وفي طرق تناوله وتفكيكه لهذه الموضوعات، وتتسع هذه التعريفات لتشمل الجوانب التطبيقية في حل المشكلات الحياتية، كما عبر عن ذلك "فان دولين" بأنه المحاولة الدقيقة الناقدة للتوصل إلى حلول للمشكلات التي تؤرق الإنسان وتحيره.
تتعدد الإستخدامات الاصطلاحية لكلمة "منهج"، فحينما تُطلق في السياق التربوي العام والتعليمي تعني المقرر الدراسي (Curriculum)، وقد اتسع هذا المفهوم ليشمل سائر جوانب العملية التعليمية من كتب ومعدات واختبارات ومهارات معلمين، أما في سياق البحث العلمي، فإن المنهج يعني الطريقة أو الأسلوب والتنظيم (Method)، وجذرها الإشتقاقي في اللغات الأجنبية واليونانية القديمة يشير إلى "الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب"، وبذلك يكون المنهج هو جملة الإجراءات والخطوات التي يقتفي الباحث أثرها للوصول إلى الحقيقة، وقد شهد الفكر الفلسفي اهتماماً تاريخياً بالمنهج منذ العصر اليوناني، حيث استخدم أفلاطون وأرسطو كلمة "منهج" للتعبير عن البحث والمعرفة والتأمل، ومع تطور العلوم، استقرت الكلمة لتعني مجموعة القواعد العامة والموضوعية للوصول إلى النتائج، ويُعد العالم "كونت" أول من استخدم مصطلح (Methodology) للدلالة على طرق العلوم، بينما يعود الفضل لـ "راموس" في لفت الأنظار لأهمية المنهج في عصر النهضة، وفي القرن السابع عشر، تبلورت فكرة "المنهج العلمي" بمدلوله الإصطلاحي التجريبي على يد "فرانسيس بيكون" وعلمائه، وعرفوه بأنه الطريق المؤدي للكشف عن الحقيقة بواسطة قواعد تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته.
لا يزال المشهد الأكاديمي يفتقر إلى إتفاق جامع حول أنماط مناهج البحث، مما أدى إلى تداخل التصنيفات وعدم إستيعابها لكافة الطرق، ويمكن رصد أهم المناهج الشائعة في: المنهج الوصفي، التفسيري، التجريبي، شبه التجريبي، المقارن، دراسة الحالة، التاريخي، التقارير السردية، والتحليل الثانوي، ومن الأسف أن تنحرف المناقشات الأكاديمية حول هذه التسميات إلى منزلق السفسطة والخلاف العقيم، كالمنازعة في استخدام مصطلح "منهج تحليل المضمون" أو "أسلوب تحليل المضمون"، وهو جدل مصحوب بعناد مفرط لا جدوى منه، ويشبه هذا العناد التاريخي الخلافات التي احتدمت في عصور التخلف حول جنس النملة التي كلمت سليمان عليه السلام، في الوقت الذي كان فيه علماء أوروبا عاكفين في مختبراتهم لإنتاج بحوث في الفيزياء والرياضيات والكيمياء، وهي البحوث التي أسست لقوتهم المعرفية والاقتصادية والعسكرية الحالية.
تعددت الرؤى الفلسفية في تحديد ماهية "العلم" عبر العصور، ولم تكن هناك إجابة واحدة مانعة، فمن المفكرين من عرف العلم بأنه مجموعة المعارف الإنسانية التي تهدف لزيادة رفاهية الإنسان ومساعدته في صراع البقاء، وهو تعريف واجه انتقادات حادة، نظراً لأن بعض العلوم أفرزت أدوات تدمير شامل تهدد الإنسانية بالفناء، فضلاً عن وجود علوم مجردة نشأت لإشباع الفضول المعرفي الخالص تحت شعار "العلم من أجل العلم"، وهناك اتجاه آخر عرف العلم بأنه مجموعة الخبرات الإنسانية التي تمكن الإنسان من "التنبؤ"، واعترض آخرون على لفظ التنبؤ مستبدلين إياه بـ "التقدير" أو "الفهم"، والحقيقة أن هذه الألفاظ الثلاثة (التقدير، الفهم، التنبؤ) تلتقي عند قاسم مشترك واحد، وهو القدرة على ربط الأسباب بالمسببات، وفهم النظام الذي ينتظم العالم المحيط بنا عبر الحواس والذهن والمخيلة، لنتأثر به ونؤثر فيه.
تمثل النظرية الإطار الفكري والنسق العلمي المترابط الذي يفسر الحقائق بطريقة منظمة، وهي تتكون من مجموعة مفاهيم وتعريفات تحدد العلاقات بين المتغيرات بهدف تفسير الظواهر والتنبؤ بها، وتكمن أهمية النظرية في أنها تحدد ميادين الدراسة ونوعية الحقائق التي يجب على الباحث التوجه إليها، فالظاهرة الواحدة يمكن تفكيكها من زوايا نظرية متعددة، فظاهرة كـ "تأثير التلفزيون" يدرسها الباحث التربوي من منظور التنشئة، والنفسي من منظور السلوك، والإتصالي من منظور نشر المعرفة، وقد غيرت النظريات مسار بحوث الإتصال منذ الحرب العالمية الثانية، بدءاً من نظرية الرصاصة السحرية والإتصال على مرحلتين، وصولاً إلى الغرس الثقافي ووضع الأجندة، مستفيدة من النظريات النفسية للسلوك والتعلم، إذ إن الخلفية المرجعية النظرية ترشد فكر الباحث، وتوضح أبعاد المشكلة، ومهمة الباحث تتجلى في الجسر بين النظرية والمشكلة الواقعية، ومناقشة المقولات النظرية لبيان مواطن القوة والضعف لبناء الفروض والتحليلات، أما "النموذج"، فيُستخدم أحياناً كمرادف للنظرية، بوصفهما أدوات للشرح وأطراً للمفاهيم، وتتميز النماذج باستخدام التشبيهات لتقديم صورة بصرية أو بيانية مبسطة وموجزة عن الظاهرة، والعلاقة بين البحث والنظرية علاقة تفاعلية تبادلية، فالنتائج قد تؤدي إلى بناء نظرية، والإعتماد على النظريات القائمة ضرورة لتخطيط البحث، ومن طبيعة النظريات لا سيما في العلوم الإنسانية، أنها متغيرة بمرور الوقت وتحل محلها نظريات أكثر عمقاً ودقة، فالنظريات يجب أن تتطور دوماً ليتطور العلم، وتمتاز نظريات العلوم الطبيعية بالدقة والثبات والإتساق العالي مقارنة بنظريات العلوم الإنسانية، ومع ذلك فإن التقدم التكنولوجي والإنفجار المعرفي كفيلان بتعديل النظريات وإثبات عدم صحة بعضها في كافة التخصصات.
لكي ترتقي النظرية إلى مرتبة الجودة العلمية، وجب أن تتوفر فيها خمس خصائص أساسية: إمكانية التحقق من الصدق، من خلال بناء فروض مستمدة منها قابلة للاختبار والإثبات أو النفي، والقدرة على التنبؤ بمآلات الظاهرة وسلوكها المستقبلي، والشمول عبر إستيعاب وتفسير كافة العناصر والمتغيرات المنضوية تحت الظاهرة، والتفرد بأن تنفرد بتفسير الظاهرة دون أن تتطابق مع نظرية أخرى قدمت التفسير ذاته، والإيجاز: التعبير عن الحقائق والأغراض بكلمات بسيطة وموجزة دون إسهاب.
يُعرف القانون العلمي بأنه العلاقة القائمة بالفعل بين ظاهرتين أو أكثر، وتتحول الفروض التي لم يظهر ما يناقضها إلى قوانين إذا أثبتت هذه العلاقة، وتتخذ القوانين شكلين رئيسيين: إما علاقة سببية (بحيث ينتج التغير في الظاهرة "ب" بسبب التغير في الظاهرة "أ")، أو علاقة وظيفية تلازمية (بحيث يتلازم حدوث ظاهرتين معاً، ويصاحب التغير في إحداهما تغير في الأخرى دون أن يترتب عليه بالضرورة، كقانون الضغط الجوي وعلاقته بارتفاع الزئبق في البارومتر)، ويفترق القانون عن النظرية في كون النظرية أكثر شمولاً وتضم في إطارها عدة قوانين، بينما يمتاز القانون بكونه أكثر تأكيداً وثباتاً من النظرية، وكلاهما نسبي تقريبي، ومن أبرز خصائص القوانين العلمية أنها "نسبية وليست مطلقة"، لأنها نتاج عقل بشري محكوم بحدود معرفة الباحث وبصيرته وأدواته، كما أن القوانين مقيدة بشروط محددة وزمان ومكان معينين، فالقانون الصحيح في زمن أو مجتمع ما، قد يصبح خاطئاً أو غير قابل للإنطباق في سياق زمني أو مكاني آخر، ومع ذلك تظل للقوانين أهمية كبرى، فهي تهيئ للإنسان فهم الحقائق (كقانون أن الجراثيم سبب التعفن الذي فتح آفاق دراسة البكتيريا والأمراض)، وتمكنه من التنبؤ والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصناعة الإختراعات، كما أن القانون يمثل تركيزاً لعدد ضخم من الحقائق وتبسيطاً لها، مما يحقق الإقتصاد الفكري والمادي، ولذلك غدت القوانين العلمية هي الهدف الأسمى الذي تسعى شتى العلوم للكشف عنه.
تأسيساً على ما تقدم، يتضح أن مناهج البحث العلمي ومفرداته من "علم" و"منهج" و"نظرية" و"قانون" تشكل في مجموعها شبكة مفاهيمية متكاملة تقود العقل البشري نحو الحقيقة وتدفع بعجلة التطور الإنساني إلى الأمام، إذ إن هذه الرحلة المعرفية الممتدة عبر التاريخ تؤكد أن قوة الأمم وسيادتها مرهونة بمدى إنضباط ممارساتها العلمية وعمق طروحاتها الفكرية والتطبيقية، بيد أننا وفي الختام هنا نعيد التشديد وبأقصى درجات التأكيد والصرامة، على الضرورة القصوى لوضع تعريفات حدية قاطعة لكل نقطة من النقاط المذكورة، إذ إن غياب التعريفات الواضحة والحدود الفاصلة للمفاهيم لا يقف عند حدود التسبب في إرباك الدارس أو الباحث فحسب، بل يهدد بنسف القيمة العلمية للبحوث من أساسها، إذ يؤدي إلى إختلاط المفاهيم وإلتباسها، وينقلب بالجهد الأكاديمي من ميدان الإنتاج المعرفي الخلاق إلى سراديب الجدل السفسطائي العقيم الذي يعوق مسيرة التقدم، إذ إن إيضاح التعريفات وضبط المصطلحات هو بمثابة صمام الأمان الذي يحمي العقل العلمي من التشتت، ويضمن صيانة الخطاب الأكاديمي من الغموض والخلط المفهومي، لتظل المنهجية العلمية طريقاً ممهداً ونقياً نحو كشف الحقائق وبناء الحضارة.













